الفصل الثالث عشر
الرحمة بالعصاة
أرسل الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، حتى للعصاة والمذنبين، وقد أمره الله أن ينادي الذين أسرفوا على أنفسهم بالكفر والمعاصي بقوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] ، والأحاديث الواردة عن نبي الرحمة ونبي التوبة عليه الصلاة والسلام في الرحمة بالعصاة كثيرة منها:
1)عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» [1] .
2)عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» [2] .
3)عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر» [3] .
أي: مالم يحضره الموت، فمن تاب من أي ذنب سواء كان كفرًا أو معصية كبيرة أو صغيرة فإنه كمن لا ذنب له، فلا يُعيَّر بذنبه في الدنيا، ولا يؤاخذ به في الآخرة، فالتوبة تمحو ما قبلها، بل يبدل الله سيئات المذنبين حسنات إذا تابوا إلى الله، قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 68 - 71] .
فما أعظم هذه الرحمة التي رحم الله بها عباده بواسطة رسوله نبي الرحمة والتوبة عليه أفضل الصلاة والتسليم!
4)عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم» [4] .
هذا الحديث ليس تهوينًا للذنوب، وإنما هو حث للمذنبين على التوبة إلى الله، وعدم اليأس من رحمة الله.
(1) أخرجه الترمذي (2499) ، وهو في"صحيح الجامع" (4515) .
(2) أخرجه ابن ماجه (4250) ، وهو في"صحيح الجامع" (3008) .
(3) أخرجه الترمذي (3537) ، وهو في"صحيح الجامع" (1903) .
(4) أخرجه مسلم (2749) .