الفصل السادس
الرحمة في العقوبات
لقد تميزت شريعة النبي صلى الله عليه وسلم عن غيرها من الشرائع والقوانين في التشريع الجنائي بالرحمة في العقوبات سواء في الحدود أو الجنايات، والحدود هي: العقوبات المقدرة شرعًا لمن ارتكب كبائر الفواحش، والجنايات هي: القصاص في النفوس والأطراف.
والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرحمة في العقوبات كثيرة منها ما يلي:
1 -عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها [أي: كبائر الذنوب التي توجب إقامة الحد] ، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يُبد لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله» [1] .
هذا الحديث فيه ترغيب في التوبة إلى الله من هذه الفواحش، مع الستر على النفس، وعدم إخبار أحد بها، فإن اعترف أمام الحاكم بذنبه يقام عليه الحد؛ لأن الحد لا يقام إلا بالشهود أو الاعتراف.
2 -عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تعافوا الحدود فيما بينكما، فما بلغني من حد فقد وجب» [2] .
أي: تجاوزوا عن الحدود ولا ترفعوها إلى الحكام، فإنه إذا بلغ الحدُ الحاكمَ وجب عليه تنفيذ حكم الله على من وقع في الحد، فيستحب عدم رفع الحدود إلى الحكام لهذا الحديث، وهذا من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أمر بالستر [3] .
3 -عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يُثَرِّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها، ولو بحبل من شعر» [4] .
الأَمَة هي: الجارية المملوكة، وحدها إذا زنت خمسون جلدة، سواء كانت بكرًا أو متزوجة.
قوله: «ولا يثرب عليها» قال النووي رحمه الله: (( التثريب: التوبيخ واللوم على الذنب ) ) [5] . أي: لا يجمع عليها العقوبة بالجلد والتعيير، وهذا من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه الحاكم (7615) ، وهو في"صحيح الجامع" (149) .
(2) أخرجه أبوداود (4376) ، وهو في"صحيح الجامع" (2954) .
(3) انظر"عون المعبود" (12/ 27) .
(4) أخرجه البخاري (2152) ، ومسلم (1703) .
(5) شرح مسلم (11/ 211) .