فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 169

الفصل الثاني

الرحمة بالنفس

جاءت شريعة النبي صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على نفس الإنسان، والرحمة بها، وجلب ما يهديها ويصلحها ويُسعدها، ودفع ما يضلها ويفسدها ويشقيها، وقد علَّم النبيُ صلى الله عليه وسلم أمته أنه يجب على المسلم أن يُحافظ على نفسه ويرحمها، ويسعى في أسباب صلاحها في دينها ودنياها؛ ليسعد في هذه الدنيا، ويحيا فيها حياة مطمئنة كريمة، ولينجو في الآخرة من عذاب النار، ويدخل الجنة مع الأبرار.

والأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرحمة بالنفس كثيرة جدًا، وسأذكر فيما يلي بعضًا منها:

1)عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبدالله! ألم أُخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟» قلت: بلى يا رسول الله! قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإنّ لجسدك عليك حقًا، وإنّ لعينيك عليك حقًا، وإنّ لزوجك عليك حقًا، وإنّ لزورك [أي: زائرك] عليك حقًا» [1] .

2)عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبِرُوا كأنهم تقالّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأُصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدًا ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنتي فليس مني» [2] .

3)عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة [أي: تاركة لثياب الزينة] ، فقال لها: ما شأنك؟! قالت: أخوك أبوالدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبوالدرداء فصنع له طعامًا فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبوالدرداء يقوم فقال: نم، فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصلَّيا، فقال له سلمان: إنّ لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى أبوالدرداء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صدق سلمان» [3] .

(1) أخرجه البخاري (1975) ، ومسلم (1159) .

(2) أخرجه البخاري (5063) ، ومسلم (1401) .

(3) راه البخاري (1968) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت