فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 169

بسم الله الرحمن الرحيم

كان العَالم قُبيل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في اضطراب شامل، وفوضى تغلغلت في كل مرافق الحياة، ولم يبق أحد على دين الأنبياء الحق إلا بقايا قليلة من أهل الكتاب، فقد بدّل اليهود دين موسى عليه الصلاة والسلام، وحرّفوا التوراة، كما بدّل النصارى دين عيسى عليه الصلاة والسلام، وحرّفوا الإنجيل.

أما العرب فكانوا غافلين عن دين الأنبياء، يعبدون الأصنام والأوثان، ويعتقدون الخرافات والأوهام، وكانوا متفرقين، ليس لديهم دولة عربية تحميهم، وتجمع شتاتهم، فكل قبيلة كانت تعتبر نفسها دولة مستقلة، وأمة منفصلة، لا حرمة لغيرها من القبائل عندها، فهي تستحل دماء غيرها، وتستبيح أموالهم، ويستعبد القوي منهم الضعيف، كانوا قساة القلوب، فالرجل يقتل ولده، ويدفن ابنته وهي حية؛ خشية الفقر أو العار، وكانوا يأكون أموال اليتامى ظلمًا بحجة أنهم لا يستطيعون حمل السلاح والدفاع عن القبيلة، وقد وصف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أحوالهم للنجاشي ملك الحبشة فقال: «أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ماكنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بالصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء والفواحش وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصن، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ... » [1] .

وبالجملة فقد كان أهل الأرض جميعًا يعيشون في الظلم والظلمات، والجهل والخرافات؛ فبعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا إلى الناس كافة؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

وقد ختم الله به الأنبياء، وجعل شريعته أيسر الشرائع، وجعل أمته أفضل الأمم، وقد بشّر ببعثته موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وذكر الله صفته في التوراة والإنجيل، قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] .

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1740) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وحسّنه شعيب الأرناؤوط كما في تحقيق المسند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت