الأصل في الإنسان الحرية، والرق أمر طارئ، والرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد، وكان الاسترقاق من عقوبات السرقة عند العبرانيين القدماء، وفي الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفي بعض تلك الحضارات كالفرعونية والفارسية كان النظام الطبقي يحول دون تحرير الأرقاء، وفي الحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية في الأمبراطورية أرقاء أو في حكم الأرقاء.
وعندما ظهر الإسلام كانت للمظالم الاجتماعية والتمييز العرقي والطبقي منابع وروافد عديدة تغذي نهر الرق في كل يوم بمزيد من الأرقاء، وذلك مثل:
1)الحرب، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء.
2)الخطف.
3)العجز عن سداد الديون، فيتحول المدين إلى رقيق لدى الغني الدائن في بعض الأحوال.
4)النسل المولود من الأرقاء يصبح رقيقًا.
وأمام هذا الواقع اتخذ الإسلام طريق الإصلاح في قضية الرق، فألغى الإسلام وحرم أغلب الروافد التي كانت تزيد من الرقيق، فلم يبق منها إلا أسرى الحرب الشرعية، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء.
وقد فتح الإسلام أمام أسرى الحرب باب العتق والحرية بالمن أو الفداء، قال الله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] .
وسعى الإسلام إلى تصفية كتلة الأرقاء بالتحرير، فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعًا، كما جعل الإسلام عتق الأرقاء كفارة كثير من الذنوب والخطايا، وجعل للدولة مدخلًا في تحرير الأرقاء، حيث جعل من مصارف الزكاة تحرير الرقاب، وجعل الحرية هي الأصل التي يولد عليه الناس، والرق هو الاستثناء الطارئ الذي يحتاج إلى إثبات، فمجهولو الحكم هم أحرار، وأولاد الأمة من الأب الحر هم أحرار.
بل شرع الله للرقيق شراء أنفسهم بنظام المكاتبة فقال: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] ، وهذا باب عظيم جدًا للحرية، فكل رقيق من عبد أو أمة يحب أن يحرر نفسه فإن الله أمر سيده أن يجيبه إلى طلبه إن علم فيه خيرًا، بل وأمر سيده أن يؤتيه من مال الله، فأي تسهيل لتحرير العبيد بعد هذا التسهيل؟!
فشريعة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في الرقيق بلغت الغاية في الرحمة بهم، والحرص على تحريرهم.
وقد سبق الإسلام الحضارة الغربية الحديثة التي تزعمت في العصر الحديث الدعوة إلى تحرير الأرقاء، بعد أن استعبد المستعمرون الأسبان والبرتغاليون والإنجليز والفرنسيون سكان أمريكا الأصليين، وأهلكوهم في البحث عن