المبعدين المطرودين عن الصواب في الدنيا والآخرة {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] )) [1] . اهـ مختصرًا.
ولا يشكل على هذا أن المسلمين قد يُهزمون في معركة فإن الأمر كما قال الله: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] .
قال ابن القيم رحمه الله:
والحق منصورٌ وممتحنٌ فلا تعجبْ فهذي سنة الرحمن
وقد بين الله للمسلمين أسباب النصر في كتابه فإذا أخذوا بها في أي زمان ومكان نصرهم الله، وإذا لم يأخذوا بها خذلهم الله.
هذا؛ والجهاد في سبيل الله مشروع في الأمم السابقة، قال الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .
(ربيون) : أي: جموع كثيرة من العلماء والصالحين قاتلوا مع الأنبياء في سبيل الله [2] .
وقد أمر الله ذا القرنين أن يعذب من أبى أن يعبد الله كما أخبرنا الله في كتابه: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 86 - 88] .
وذو القرنين عبد صالح ملّكه الله في الأرض، أخبر الله عنه أنه وجد في سفره نحو المغرب أمة كافرة، فمكّنه الله منهم، وحكّمه فيهم إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ عليهم، فقال: {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} أي: استمر على كفره وشركه بربه {فَسَوْفَ نُعَذِّبُه} أي: بالقتل {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} أي: شديدًا بليغًا، {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ} أي: اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} أي: فله الجنة في الدار الآخرة عند الله {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} أي: معروفًا [3] .
إذًا: قتال من لم يعبد الله هو قتال بأمر الله، جزاء على ظلمه حيث لم يعبد الله وحده الذي خلقه لعبادته، فقد قال الله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وقال سبحانه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، فيجب على المخلوق أن يؤدي حق الله كما عليه أن يؤدي حق عباد الله، فكما تجب عليه طاعة
(1) تفسير ابن كثير (4/ 329) .
(2) انظر"تفسير ابن كثير" (1/ 388) .
(3) انظر"تفسير ابن كثير" (3/ 100) .