والديه، وطاعة مديره، وطاعة أميره؛ فيجب عليه طاعة خالقه سبحانه، وكما يستحق الإنسان العقوبة على ترك طاعة والديه، أو مديره، أو أميره، فكذلك يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة على ترك طاعة خالقه سبحانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( كل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجيب له؛ فإنه يجب قتاله {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ) ) [1] .اهـ
إن هدف الجهاد هو إعلاء كلمة الله، وإظهار دين الله، ولهذا فالإسلام لا يبيح القتال لغايات عدوانية، أو مقاصد مادية، أو لسيادة عنصر على عنصر، أو شعب على شعب، أو توسيع رقعة مملكة أو مكاسب اقتصادية أو أسواق تجارية مما تتخذه الدول القوية قديمًا وحديثًا وسيلة لإشعال الحروب، وهدم السلم الدائم، فغاية الجهاد في الإسلام مبادئ كريمة يعم نفعها الناس جميعًا في الدنيا والآخرة.
والجهاد في الإسلام إما أن يكون لدفع العدو الذي غزا المسلمين إلى ديارهم، ويريد فتنتهم في دينهم، وإما أن يكون لغزو الكفار في ديارهم، لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فإذا أسلموا عرفوا أن قتال المسلمين لهم ما هو إلا علاج لأنفسهم الظالمة، ودواء لقلوبهم المريضة بالكفر والشرك، ولولا الجهاد في سبيل الله لفسدت الأرض ببقاء الكفر والضلال، قال الله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] أي: لولا الله يدفع عن قوم بآخرين لفسدت الأرض بالظلم والطغيان والمعاصي والعذاب {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} فمن رحمته بهم أنه يدفع أهل الباطل بأهل الحق؛ ولهذا شرع الله لرسوله الجهاد في سبيله.
قال المباركفوري: (( لم تكن من شيمة العرب أن يخضعوا لأحد، مهما طال القتال، ومهما غلا الثمن، فقد دام القتال بين بكر وتغلب في حرب البسوس أربعين عامًا، وكانت ضحيتها حوالى سبعين ألف مقاتل، ولم يخضع أحدهما للآخر، ودامت حروب الأوس والخزرج أكثر من مائة عام، ولم يخضع أحدهما للآخر، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، قاتل العرب بأسلوب آخر حكيم، حتى فتح قلوبهم قبل أن يفتح بلادهم؛ ولذلك فإن مجموع من قُتِل في جميع غزواته وحروبه عليه الصلاة والسلام من المسلمين والمشركين واليهود والنصارى في حدود ألف قتيل فقط، في مدة لا تزيد على ثمانية أعوام.
وفي هذه الفترة القليلة، وبإهراق هذا القدر القليل من الدم أخضع الجزيرة العربية كلها تقريبًا، وبسط الأمن والسلام في ربوعها وأرجائها.
إنها نبوة ورحمة، ورسالة وحكمة، ودعوة ومعجزة، وفضل من الله ونعمة، فقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام الحرب سبيلًا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وسبيلًا لنصرة المظلومين، وكبت الظالمين، ولبسط الأمن والسلام على الأرض، وإقامة العدل )) [2] .اهـ بتصرف.
(1) "فتاوى ابن تيمية" (28/ 349) .
(2) "روضة الأنوار"ص 323 - 324.