وقال المباركفوري أيضًا: (( إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم لم تكن أهدافها بالنسبة إلى المسلمين مصادرة الأموال، وإبادة الأرواح، وإفناء الناس، أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام، وإنما يهدفون إلى الحرية الكاملة للناس في العقيدة والدين {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ، ولا يحول بينهم وبين ما يريدون أي قوة من القوات ) ) [1] .اهـ
فمن اختار طريق الإيمان فقد فاز فوزًا عظيمًا، وله العزة في الدنيا والجنة في الآخرة، ومن اختار طريق الكفر فقد خسر خسرانًا عظيمًا، وله المذلة في الدنيا والنار في الآخرة.
فالإسلام يخيِّر الكفار بين الدخول في دين الله الذي ارتضاه لعباده أو التعايش مع المسلمين مع دفع الجزية، وإلا فالسيف والقتال لمن استكبر عن دين الله، ولا يسلط السيف على الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة الذين لا يقاتلون، قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .
أي: قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا بقتال من لا يقاتلكم من النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان، وكذلك لا تحرقوا الأشجار وتقتلوا الحيوان لغير مصلحة، وكذلك لا تمثلوا بجثث القتلى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [2] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( مقصود الجهاد أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتِل، وأما من لم يكن من أهل المقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزَمِن [أي: المريض مرضًا لا يُرجى شفاؤه] ونحوهم فلا يُقْتَل أحد منهم إلا أن يقاتِل بقوله أو بفعله، فالقتال لمن يقاتلنا؛ وذلك أن الله تعالى أباح من قتْل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] أي: أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه؛ ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم ) ) [3] اهـ باختصار.
وقال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] .
(1) "الرحيق المختوم"ص 300.
(2) انظر"تفسير ابن كثير" (1/ 215) .
(3) "فتاوى ابن تيمية" (28/ 354 - 355) .