فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 169

وقد غير أغراض الحروب وأهدافها التي كانت تضطرم نار الحرب لأجلها في الجاهلية، فبينما كانت الحرب عبارة عن النهب والسلب، والقتل والإغارة وأخذ الثأر، وهتك حرمات النساء، والقسوة بالضعاف والصبيان، وإهلاك الحرث والنسل؛ إذ صارت هذه الحرب في الإسلام جهادًا في تحقيق أهداف نبيلة، وأغراض سامية، وغايات محمودة، فقد صارت الحرب جهادًا في تخليص الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ ليدخلوا في دين الإسلام الذي ارتضاه الله للعباد، فإذا أسلموا عرفوا أن قتال المسلمين لهم ماهو إلا علاج لأنفسهم لتسعد بدين الله، وماهو إلا دواء لقلوبهم لتطمئن بعبادة الله، ولولا الجهاد في سبيل الله لفسدت الأرض ببقاء الكفر والضلال، ولهدمت المساجد التي يذكر فيها اسم الله.

وصارت الحرب في الإسلام أيضًا جهادًا في تخليص الإنسان من نظام الظلم إلى نظام العدل، وصارت جهادًا في تخليص {الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] .

وصارت الحرب جهادًا في تطهير أرض الله من الغدر والخيانة والإثم والعداون، إلى بسط الأمن والسلام والرأفة والرحمة، ومراعاة الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأعظم ذلك أن يعطى الخالق حقه فيعبد لا يشرك به شيئًا، فمن أبى أن يعطي الخالق حقه، بل وقاتل من يدعو الناس إلى إعطاء الخالق حقه، وصد الناس عن دينه وعبادته؛ فهو أظلم الناس، ومن الرحمة بالناس أن يُزال هذا الطاغوت الذي يحول بينهم وبين عبادة خالقهم، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] .

وقد أمر الله رسوله بالغلظة على الكافرين المحاربين لدين الله، المانعين الناس عن توحيد الله، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9] ، وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بما أمره به ربه من جهاد الكافرين، وكان في جهاده لهم خير عظيم لهم أنفسهم، فالذين عُجِّل قتلهم فموتهم خير لهم من حياتهم؛ لأن حياتهم على الكفر ومحاربة دين الله ما هي إلا تكثير لسيئاتهم، وزيادة في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وأما المعاهدون الذين يدفعون الجزية فقد عاشوا في الدنيا آمنين في عهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له.

وكم حصل من خير عظيم بالجهاد في سبيل الله! ومن أعظم ذلك أن دخل في دين الله من كان يصدهم المحاربون عن سبيل الله، وينفرونهم عن توحيد الله، من أولادهم ونسائهم ومن وراءهم، بل وكم دخل في دين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت