وبهذا يتبين أن أخذ الغنائم لا ينافي رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد أمره الله بقتال الكافرين المحاربين والغلظة عليهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] .
ومن الغلظة عليهم أخذ ما يقدر عليه من أموالهم، هذا إن كانوا محاربين لدعوة الله، أما إن كانوا مسالمين فلا يحل قتالهم أصلًا.
وإن من رحمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يتأخر في قسمة الغنائم عسى أن يرجع أصحابها تائبين مسلمين، فيرد إليهم أموالهم، ففي غزوة حنين انتصر المسلمون على هوازن، وغنموا غنائم عظيمة جدًا من السبي والإبل والغنم والفضة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجمعها، ثم حبسها بالجعرانة [اسم منطقة] ، ثم مكث النبي عليه الصلاة والسلام بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، ويتأنى بها، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا، فلما لم يجئه أحد قسم الغنائم.
وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلمًا، وطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يرد إليهم الغنائم، ولكن قد فات الأوان، فقد وُزِّعت الغنائم، وملك كل إنسان ما أُعطِي منها، ومع هذا فإن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم قال لهم: إن معي من ترون [أي: من الناس] ، وإن أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم [أي: تأخرت في قسم الغنائم من أجلكم عسى أن تتوبوا] فقالوا: فإنا نختار السبي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فخطب فقال: «إن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيِّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله! [أي: تنازلنا عن حقنا من السبي] فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» [العريف: النقيب، وهو دون الرئيس، وقد كان للصحابة عرفاء لتنظيم أمورهم] فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا وأذنوا» [1] .
وعن صخر بن عيلة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله» [2] أي: قبل قسمتها.
وبهذا يتبين أن الغنائم التي تؤخذ من أعداء الله المحاربين لدينه لا تنافي رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، بل قد بلغت رحمة النبي عليه الصلاة والسلام الغاية في أمر الغنائم.
(1) انظر"صحيح البخاري" (4318) .
(2) أخرجه أحمد (18800) ، وهو في"السلسلة الصحيحة" (1230) .