سبب آخر لعدم ابعاد العوامل المعنوية عن نطاق النظرية، هو علاقتها بكلما يدعى بالقواعد. يشكل تأثير العوامل المادية والنفسية وحدة عضوية كاملة، لا يشبه السبيكة المعدنية، اذ لا يمكن فصلها بعملية كيمياوية. عند صياغة اية قاعدة تخص العوامل المادية، على المفكر أن يضع في حسابه الجزء الذي قد تلعبه العوامل المعنوية فيه، وإلا ظل طريقه وانتهى بوضع بيانات عامة مطلقة محدودة و مهزوزة جدا، أو أنها مغرقة في عموميتها وبصيغ عقائدية مجردة وجامدة. حتى اكثر النظريات جمود ملزمة بالتردي بعالم اللامحسوس، وعلى سبيل المثال، فليس بوسع المرء تفسير التأثيرات التي للنصر دون اخذ ردود الفعل النفسية في حسبانه , لذلك تتألف معظم الموضوعات التي نتناولها في هذا الكتاب وبشكل متساو من أسباب ونتائج مادية ومعنوية. لذلك بوسع المرء القول أن العوامل المادية تبدو اكثر قليلا من المقبض الخشبي للسيف، بينما تشكل العوامل المعنوية المعدن النفيس و السلاح الحقيقي، والنصل الذي أحسن شحذه. .
يقدم التاريخ أقوى البراهين على اهمية العوامل المعنوية، والتي غالبا ما يكون تأثيرها غير معقول و لا يصدق؟ وهذا أنبل وأقوى ما يستفيده عقل القائد أو يستخلصه من دراسة الماضي. وتأكيدا، ينبغي ملاحظة أن بذور الحكمة التي ستنتج ثمارها في العقل، لم يبذر بالدراسات النقدية والكتب التعليمية الا القليل منها، أما معظمها فيفعل البصيرة والحدس والمعرفة الواسعة ومحات الابداع.
لا بد لنا من تعداد اهم ظاهرة معنوية في الحرب، وأن نحاول كما يفعل الاستاذ المجتهد، تقويم تلك الظواهر واحدة بعد اخرى. مع أن هذه الطريقة قد تقودنا بسهولة بالغة الى ملاحظات تافهة ومبتذلة، فحين تفارقنا روح البحث العبقرية، سنجد أنفسنا تردد ما بات يعرفه الجميع. لهذا السبب نفضل، هنا وأفضل مما في اي مكان آخر، معالجة الموضوع بطريقة ناقصة وانطباعية Impressionistic ، مكتفين بأننا أشرنا إلى اهميتها العامة، وأننا حركنا الروح التي تعبر عنها المناقشات والحجج في هذا الكتاب.