هذا الحديث الذي بين أيدينا يحرّم أن يؤذي المسلمُ المسلمَ بلسانه أو بيده، فسبُّ المسلم فسوق، وهو كبيرة من الكبائر، والسب هو رمي المسلم بفاحش الكلام مما يؤذي نفسه وقلبه، و (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ، فلا يسب في ماله ولا في دمه ولا في عرضه، ولا يؤذي في واحد منها بفعل ولا بقول، وأعظم من السب هو القتال، لأن القتال لا ينشأ إلا وقد تضمن السب، بل كثيرًا مما ينشأ القتال بسبب الكلام السيّء بين الناس، فملعون من حمل حديده على أخيه، والقاتل والمقتول في النار، وقد جاء في تسمية قتال المسلم كفر أحاديث أخرى كقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) فإن المسلم لا يقاتل أخاه إلا وقد غفل عن الإيمان وروابطه وما يأمر به، هذا وإن كان المقصود بالكفر هنا هو الكفر الأصغر الذي لا يخرج المرء من الملّة لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فسمى الطائفتين بالمؤمنين، ولكن لا يمنع أن هذا الكفر مما يحبط العمل، فإن الكبائر تحبط الأعمال فكما أن الحسنات يذهبن السيئات، فكذلك بعض السيئات يحبطن بعض الصالحات، ولذلك عنون الإمام البخاري على هذا الحديث قوله"باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر"، ولا يمنع أن ينشأ من القتال بين المؤمنين خروج بعضهم من الإسلام، فقد رأينا من والى المشركين ونصرهم ضد طائفة مسلمة يكرهها ويقاتلها، وقد حدث هذا كثيرًا في تاريخ الإسلام، وهذا من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كما قال تعالى على لسان أحد السجينين مع يوسف عليه السلام: (إنّي أراني أعصر خمرًا) وإنما الذي يُعصر هو العنب ليصير خمرًا، والقتال بين المسلمين كثيرًا ما يكون سببًا لأقوال الكفر وأفعاله التي تخرج من الملة، كأن يسب دينه أو يشك في الإسلام أو يوالي المشركين كما يُرى من بعض الأحزاب الإسلامية اليوم كما هو شأن البارحة.
إن من الواجبات الملقى على المسلم أن يبتعد عن أسباب الفسق والكفر ومن ذلك الحسد الذي يفسد الدين ويدفعه للظلم والسب والقتال، وكذلك العصبية لغير الحق، فالانتصار لا يكون إلا للحق دون النظر للأشخاص والمذاهب والأحزاب، والعجيب اليوم أن طوائف من المسلمين ساروا في ركاب الشرك كما حصل لبعض من كان من أهل الجهاد ثم انقلب على عقبيه حسدًا أن غيرهم وقع عليهم الفضل الإلهي بالنصرة والتأييد، فوقع منهم ما وقع من اليهود كما قال تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) ، حتى قال بعض من لا يتقي الله تعالى عن طائفة"طالبان"المجاهدة أنها عار على الإسلام، وذلك خلال حرب الكافرين لها، فكان قوله نصرة للكافرين على المسلمين، وهذا هو السبّ الذي يفسق به المرء ثم لا يمنع أن يكون بعد ذلك كفرًا وقد وقع، والعياذ بالله تعالى.
إن أي سب وقدح في مسلم بغير حق هو من الفسق، ويشتد الإثم حين تُسبُّ طائفة لأخطاء اجتهادية، أو لفعل بعض أهلها دون بعضهم لتنفير الناس منهم، وذلك كما يقع من بعض طلبة العلم من سبّ مذاهب العلماء بذكر بعض الأقوال الضعيفة سواء كانت اجتهادية أو خلافية حتى يسقط ما يجب من الإحترام لهذه المذاهب والعلماء فيها، ويجعلون ذلك طريقًا لإلحاق الناس بمذاهبهم أو مشايخهم، وهذا كله من قلة الدين والورع، وهو من السباب المنهي عنه ومن قلة الإنصاف وضعف الدين والعلم كذلك، والمسلم عليه أن يعلم أن أي سب، وهو ما يُلحِق العار بالغير هو من الفسق، وأشد منه القتال، فليس هناك شيء من أشياء الدنيا يجيز للمسلم أن يرفع حديدة في وجه مسلم آخر، وهذا ليس هو باب دفع الصائل، ولا القتال في الدفاع عن المال والعرض والنفس والدين، بل المنهي عنه هو القتال الذي هو من تحريض الشيطان، والذي دافِعُه الغضب والشهوة والإنتصار للباطل، وفي العموم كل قتال بين المسلمين فغيره أولى منه من العفو والصفح.
وليحذر الذين صار في أيديهم السّلاح سهلًا ميسورًا أن يتجاوزوا به الحد، كما على الذين آتاهم الله منابر الحديث والقدرة على الكلام أن يحذروا من أن يتجاوزوا به الحد، وباستقامة القوة (السلاح) مع استقامة القول يتم الفلاح ودوام الحال على خير ما يريده الله من عباده، أما فساد أحدهما فهو المَحَقِ والدمار.