قال ابن عبّاس رضي الله عنه:"بتّ عند خالتي ميمونة (زوج النّبي صلى الله عليه وسلم) فقلت لأنظرنّ إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطرحت لرسول الله وسادة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم في طولها، فجعل يمسح النوم عن وجهه فقرأ الآيات العشر الأواخر من آل عمران حتى ختم ثمّ أتى سقاء معلّقًا فأخذه فتوضّأ ثم قام يصلي".
هكذا الكمال: ذكر وفكر، (إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف الليل والنّهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النّار) ، ذكر لله ربّ الوجود، وذكر للغيب (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدّار) ، وذكر لكتاب ربنا، وهكذا تحصل الروح، ولابد من فكر، وهو جهد العقل في التأمل والنظر، من أجل إدراك السنن للسير فيها وتسخير الخلق الذي خلق لنا (و سخّر لكم ما في السّموات والأرض) ، فامتطاء الشيء لا يكون إلا بإتقان وذلك من خلال معرفة سنة الله فيه، وكلما ازدادت معرفة الإنسان بالسنة كلما أفاد منها وسخرها فكانت له، والذين يعرضون عن السنن هم في وديان الباطل، وهم بحق يقولون بفعالهم:"هذا باطل"، والباطل ما لا نفع فيه، وهو اتهام الجهلة لحكمة الرب وقدوسيته، فإن الله لم يخلق شيئًا في السموات والأرض إلا من أجل أن ينتفع به الإنسان، ودخول أي شيء لابد له من مفتاح، والمفتاح هو العلم بقدر هذا الشيء حتى يتم القياد، والآيات الكونية هي علامات، فالآية معناها العلاقة، أي فيها معنى، وأول هذه المعاني هي الدلالة على خالقها وعظمته وحكمته، وهذا لا يقع على حقيقته إلا بإدراك صحيح لهذه الآيات، وأجهل الناس بربهم هم الذين يفهمون الكون على غير حقيقته، فهم أهل البدع حقًا، ومالهم حال من فهم الشرع على غير لأنهم عطلوا حكمة الرب في الوجود فلن يستفيدوا منه بشيء وهو الذي خلقه الله وسخره من أجلهم.
ماذا ينتفع المرء من"النفط"مثلًا وهو يظنه ماردًا من الجن إن رآه استعاذ بالله من الشيطان وهرب منه؟!، وهل استعاذته بالله هي ذكر حقًا؟!
ماذا ينتفع المرء من"غزو الأعداء"وهو يظن أن علاجهم يكون بقيام الليل دون مواجهتهم ومقاتلتهم؟!
إن الذكر لا يؤتي ثماره من اطمئنان النفس وتحقيق الوعد إلا إن وضع مع الفكر السليم الذي ينتج الفهم السنني الحق، فكم من ذاكرين لله بأفكار الخرافة والإعراض عن السنن فلم يتحصلوا الوعود الإلهية من النصر والتمكين والعزة. (الذين يذكرون ... ويتفكرون) والنتيجة: (ما خلقت هذا باطلًا) ، فكما أن الذكر الذي يحقق الخوف والرجاء دين فكذلك الفكر الذي يحقق عظمة الله في القلوب وذلك بإدراك إتقان الخلق وإبداع الوجود وحكمة التكوين، فولاية الله قيام بالشرع ودوام ذكر على كل حال، وتفكر في الخلق، وهذا هو الفقه، بصيرة حاضرة في عالم الشهادة وعالم الغيب، تراقب حركة الغيب وترعى حركة الشهادة، فالغافلون عن ذكر الله ليسوا بأولياء، والغافلون عن حركة الشهادة ليسوا بأولياء، وما أعظم هذه الآيات حين سمّت اجتماع هذين الأمرين في الرجل أنهم: (أولي الألباب) ، فإغلاق العين عن النظر وإغلاق العقل عن الفكر وإغلاق الفم عن الذكر فساد للخلق وذهاب لعقولهم، وهذا دين لا خيرية فيه لغافل ولا لجاهل ولا لغبي ولا لهارب عن المواجهة ولا يحمي عن حركة الوجود، ومن عجائب المنتسبين له أنهم جاؤوا إلى كل هذه القوى العظيمة وهذه الإرشادات الهادية فقلبوها إلى ضدها إذ صار الولي هو المعتزل عن حركة الوجود، وصار المتدين هو الذي ينتكس إلى داخله، ومع فكرة يسيرة في صورة النبوة في القرآن نراها صورة الحضور والصراع والمواجهة، لا يوجد فيها هروب وانتكاسة إلى الداخل بل حضور يحقق الصدمات مع الخصومة حتى تجري السنن إلى آخرها.
إن عظمة الله في القلوب إنما تتحقق بمعرفة قدرته ولا تعرف القدرة إلا بمعرفة الخلق، وهذا لا يعرف إلا بالفكر والنظر والبحث والسير والتتبع والدراسة، وهذا باب يجب أن تتعلم هذه الأمة أنه شق لا تكتمل الولاية إلا به، ولا يصح أن ينسب أحد إلى (أولي الألباب) الذين مُدحوا في القرآن إلا بتحققه فيهم.