فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 98

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السّجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي، ونحن أحقّ بالشّك من إبراهيم إذ قال له:(أولم تؤمن قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي ) ) .

إنّي لأُشهِد الله وملائكته ومن قرأ كلامي هذا أنني ما قلبت حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وتأخذني قشعريرة النور، فأتخيل نفسي وكأن بين يدي جوهرة تخرج منها أنوار جميلة من كل جهاتها لا أدري من أين آتيها، فتصيبني الحيرة للحظات بل ومرات لأيام فأقول لنفسي دعك من الكتابة، وقف عند التأمل فحسب، فإن ما ستكتبه ظلمة تجلل بها هذا النور، وماذا ستبلغ في كتابتك من هذه المعاني مع هذه الحِزم الرائعة البديعة، لأني حين أترك القلم مع الحديث أعود على نفسي بالتحقير والتأنيب: ماذا فعلت؟ أين في كلامك ما أحسست به من المعاني، فأجد كلامًا فارغًا مُحبَطًا لا روح فيه، ليس أمام الحديث، بل أمام ما أحسست به فقط من المعاني التي غشيتني من نوره فاللهم يا رحيم اجز عني وعن أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعن العالم أجمع نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خير ما جزيت نبيًا عن أمته خيرًا، وبرحمتك يا خير الراحمين وخير الغافرين احشرني تحت لوائه يوم القيامة. آمين.

ماذا أقول في هذا الحديث النوارني العظيم؟، هل أقول لكم أني مع هذا الحديث تخيلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقامة مديدة من عظمة وإمامة، على ربوة من قيادة وحكمة وعلم، يستعرض من مسيرة العظماء من إخوانه، فيسدد، ويقدم ويؤخر في المسيرة، قاطفًا لأمته خير الخيرين وأعظم الهدايتين، مرشدًا ومعلمًا ورحيمًا ورؤوفًا؟!

ماذا أقول لكم: تأملوا معي غوص هذا الكلام في ثنايا النفوس، لا النفوس التي تعيش على هامش الحياة بل الغوص في النفوس التي تمتلئ بجواهر المعاني ودرر الحكم وتجارب السنين وأنوار الإيمان.

هل أقول لكم: قفوا صحبي على مطيكم وانظروا طويلًا:

(يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) : في لحظة عصيبة، تفجر فيها الأمل من نفس طاهرة وهي ترى وحوشًا بهيمية تتدافع نحو النجاسات لتلغ فيها، وتعرض عليها الطاهرات فتتأفّف منها، وتجادل بألفاظ الحق (ما لنا في بناتك من حق) فيلتفت الرجل الطاهر بغيظ مرهق، وأيد تلوح في الهواء، وبدن يهتز كجمرة، يريد أن يصرخ مستنجدًا بوادي رجال فلا يرى إلا يديه الفارغتين، فيتأوه مع صرخة مؤلمة، وجارحة لجوفه وفؤاده، مع دمعة حزن وقهر وغيظ، فتخرج منه كلمات تعبة مهدودة: (لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد) ، لقد قصها القرآن ولم يعاتب صاحبها، وكيف يُعاتَب المذهول بالقهر، قهر النجس المتمكن للطاهر الضعيف؟

توقف أيها المراقب: هذا حديث مراتب، إنه حديث المعاني، حديث الأرواح الصاعدة المتسابقة في صعد النور العلوية الرفيعة، فإياك أن تتعامل معها حديث الحدود فتذهب عنك روعتها وبهاء قسماتها.

نعم لم يكن يملك لوط عليه السلام قوة، لكنه كان يأوي إلى ركن شديد وهو الله القوي العزيز.

إنه الإرشاد النبوي اللطيف، إرشاد لك أيها السائر على درب الأنبياء في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله تعالى، إنه إذا ضاقت بك السبل، وأطبقت عليك الحوادث من كل أقطارها، وغشيتك الغمرات العاتية، حينها تذكر ركنك الشديد فتأوي إليه وتلتجئ إليه: (اللهم إنّي أسلمت نفسي إليك وفوّضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ منك إلا إليك) باكيًا شاكيًا منيبًا أواهًا ضعيفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت