فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 98

عن عبد الله بن مُغفل رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخَذْف وقال: (إنه لا يقتل الصّيد ولا ينكأ العدوّ، وإنه يفقأ العين ويكسر السّن) .

من استمرأ الهوان ذهبت إلى غيره العوالي، وجاء رجل إلى الإمام أحمد فقال: جئتك"بحويجة"، فقال له: إبحث لها عن رجيل، فحين يقع الصراع على أساس القيم والدين فليس إلا النهايات مطلب صحيح، وإلا فالهلكة، والذين يشرعون في الصدام ولا يتوقعون السحق هم جهلة بسنن الحياة ومسيرة التاريخ، فالذين يفقؤون العين ويكسرون السن ويُبْقون على قوة خصمهم بعين يتركونها وأسنان قاطعة أخرى سيرتد عليهم جهلهم وتنقلب غفلتهم دمارًا سيندمون عليه.

حين ترمي حجرًا على خصمك لتقيس قوته وتقول: أريد أن أؤلمه لأرى ردة فعله، وأنت تتعامل بمنطق الجهاد والقتال فأنت بحق سفيه حقيق بك الدمار والهلكة، فمثل هذه الأمور لا تحتمل هذه اللعبة السخيفة ولا هذه الاحتمالات العقلية التي هي أحق بالكلمات والحروف لا بالأرواح والدماء وموازين القوى.

حين تقرأ تجارب بعض العاملين لدين الله تعالى ترى جهالتهم العجيبة في سنن المواجهة والصراع، فهم يرمون"حجارة"يؤلمون بها الخصم من خلال استعراض صور وكلمات وأعداد لا عدة لها، فما هي إلا أن يصاب الخصم بـ"السعار"وتلك طبيعته، فيبطش بطشته المؤلمة التي لا تبقي ولا تذر، ولا يدري هذا المسكين"المستعرض"برمي الحجارة أن هذه طبيعة الحياة وقانون الوجود.

إياك أن تؤلم خصمك استعراضًا بلا نكاية، فالحياة لا تحتمل هذا اللعب، فإما الفعل السنني الملائم وإلا فالترك هو الواجب، فالذين يرمون النمر ويجرحونه دون الإجهاز عليه سيبكون على هذه الإثارة الغبية في العاقبة.

(الخَذْف) لعبة الصغار، صغار العقول، فيها متعة الاستعراض والتمثيل في باب من أبواب الحياة لا ينفع فيه إلا الجد، ولا قيمة فيه إلا للقتل والنكاية، والأسلحة إن شرعت من أغمادها يعني أنك سمحت لخصمك أن يأخذك بأشد ما يملك، فلا تقولن حينها لم أتوقع ذلك، أو أن ردة فعله فوق اللازم، فهذه تخمينات الجهال الصغار الذي لا مكان لهم في الحروب إنما هم لاعبون بل لاعبون صغار جهلة، ومن عجائب البعض أنهم يلقون الكلمات الكبار استعراضًا وتهديدًا وليسوا من أهلها وإنما جلّ فعلهم أن يثيروا الخصوم إثارة التدمير والهلكة.

(الخَذْف) منهج عقلي فاسد، يتعامل مع الاحتمالات القريبة كفقء العين وكسر السن، مع أن المطلوب هو النكاية وقتل الصيد، ومنهج يتعامل مع الجد الذي لا جد بعده بلعب صبياني جاهل، وهو"تشيئ"أي جمع بين أشياء متعارضة، فـ (الخَذْف) قد تريد منه اللعب والإستعراض والمتعة، لكن بأدوات مؤذية لا تتناسب مع روح اللعب والمتعة والإستعراض، فتفقأ عين أخيك وتكسر سنه، وقد تريد منه (الخَذْف) القتال لكن بأدوات لا تصل إلى مستوى جد القتال لأنه لا يقتل الصيد ولا يكسر السن، فإما أن تريد اللعب فتلعب بأدوات اللعب، وإما أن تريد الجهاد والقتال، وللقتال أدواته وآلاته، أما هذا"التشيء"فهو لا يتناسب مع سنن الحياة وضروراتها، ولكن كثيرًا ما يرى هذا"التشيئ - الخذف"في حركة الجماعات والأمم، فيؤذون أنفسهم وإخوانهم، فبالله عليكم ماذا تقولون فيمن يستعرض الصدور العارية صراخًا وتهديدًا أمام الجيوش المدججة بالسلاح والحقد؟ فهل هؤلاء إلا لاعبون لعبة الدماء والأرواح في غير طريقها؟ وهل أرواح المسلمين تهون لهذه الدرجة؟ وهل الدماء رخيصة لتكون سبيلًا لإثارة شفقة العلم الذي لا يعرف إلا لغة القوة والخوف؟!

يا أهل الإسلام إياكم و (الخَذْف) ، وأعرضوا قدر الاستطاعة عن الإستعراض الرخيص والمناورات الخاوية في أبواب الحياة وخاصة باب الجهاد والقتال والدعوة إلى الله تعالى فإن الأمر جد كله لا لغو فيه وباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت