فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 98

عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّما الصّبر عند الصدمة الأولى) .

من فوت البدايات لم يدرك النهايات إلا بمشقة زائدة، ذلك لأن الأمور لا تؤتي ثمارها إلا في ما يلائمها، وبالإدلاج -وهو المسير مبكرًا- يبلغ المرء مراده، وإلا فإن نفسه قد تنقطع ولا يبلغ، والبدايات لا يقوى عليها إلا من له رشد لا يتيه عند الفجاءات، فالصدمة تقذف في النفس الهلع والإضطراب، وأهل الرسوخ لهم إفاقة، وعندهم ثبات في العقل والنفس فلا تعميهم الفجاءات عما يجب عليهم حفظه وعمله، وهذا رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم لو تاه عقله يوم الحنين ولم يصمد ثبات الجبال الرواسي مناديًا: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب، اللهم أنزل نصرك) (وقد أرجع فضل الثابت في موطن الصدمة إلى نبوة صادقة وإلى نسب عريق فالنبوة رشد وهداية والنسب العريق يمنع فعل العار من الهروب، وهذا شأن الحق الكامل وذلك في اجتماع الفضل في إناء من الفضل يناسبه لما ردَّهم إلا البحر كما قال بعضهم، وسقوط الناس لا يكون إلا عند بداية الملمة فيتيه عقله ويضطرب نفسه ويحار عن وجه الصواب فتكون حينئذ للعدو عليه صولة الإنتصار والعلو، ولذلك مدح الفاروق عمر رضي الله عنه الروم بقوله إنهم:"أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة"، ومن كان هذا شأنه مع تحضير واستعداد لم تهزه المصائب ولم تعمه الفجاءات، وأما الأمة التي لا تصحو إلا بعد أن طارت الطيور بأرزاقها وبلغ غيرها بعيدًا في الشوط فإن اللحاق عسير إن حصل وذلك بتقطع شسع النعال ولهث الأنفاس ودفع ضريبة الكسل والعجز، وقد دلت الحياة أن العدو إنما يرمي بكل قوته بالصدمة الأولى ليحقق الإنتصار السريع واستغلال عامل الفجأة فإذا وجد من يصبر له ويتلقى الصدمة الأولى بثبات انتكس وخاب، وهذه قريش أرادت تلك الضربة القاضية على المدينة ومن فيها من المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما ثبت لها الأصحاب بثبيت الله لهم ارتدوا خائبين وحينها قال النبي صلى الله عليه وسلم:(الآن نغزوهم ولا يغزونا) ، وذلك بأن قوة الإنطلاق قد ضعفت في قريش وتحولت تلك القوة إلى جهة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتلك سنة الله تعالى في التداول.

لقد نامت أمتنا كثيرًا، نامت حتى انهارت قيمتها، ونامت حتى سبقها الغير في الإعداد والعتاد، فلما أصبحت وإذا طوارق الشرق حطت في بيوتها، وبعد سنين من الغزو وثبات الكفر في الديار صار البعض يتحدث عن"صحوة إسلامية"، وآخرون يتحدثون عن"الوعي"، وكل ذلك دليل على أن الخدر ما زال ساريًا في البدن والنعاس في العيون، ومن تحرك فإنما يتحرك بارتعاش الألم، والصارخ فيهم متّهم بـ"إقلاق الأمن"و"فتان الوحدة"، وفي الأمة من المصائب ما لو حلت في الدواب لانتصرت ولكن هيهات، فما لجرح بميت إيلام.

حتى نعادل الغير فلا ينفع الآن أن نمشي مشيهم بل لابد من أن نسارع ونجد ونتعب، ونديم الصراخ المنذر المهتدي، ونعمل بلا كلل دون التفات لأهل النوم الذين حسنوا كل فساد، وأسبغوا الشرعية على كل ضلالة، فالتكاليف عظيمة ولا يقوى لها إلا العظماء.

الصبر هو النصر والظفر، ولا يتحقق إلا بالإستشراف، وذلك بقراءة الدلائل الأولى والتعامل معها قبل أن تينع، ولذلك قال الله تعالى لنبيه معلمًا وهاديًا: (و إما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء) وهذا الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه يعالج الردة في منبتها، والفاروق يطلب من الإمهال، والصديق يأبى، ويقول:"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"لأنه يرى أن ما وراء العقل -و هو حبل رقه يُقاد به الجمل- يرى أن وراء هذا الشر ما هو أكبر منه، فقطع الشر قبل استفحاله هو عين السياسة والحكمة، فإنه إن ترك قوي واشتد أمره وصار عصيًا عن الإزالة، وهذا ما شكى منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالبه من طالبه أن يقتص من قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد صاروا كثيرًا ولهم المنعة والقوة، فإن معالجتهم بالقوة حينئذ مفسدة كما كان معالجة المنافقين في أول الإسلام في المدينة مفسدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو قتلته(أي كبير المنافقين) حينئذ لا حمّرت له أنوف - ولقال الناس: إن محمّدًا يقتل أصحابه-).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت