عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ النّاس بذلك، قال: إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنّة وأعلى الجنّة، وفوقه عرش الرّحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنّة) .
هذه ركائب الرجاء، وكذلك نجائب السبق، ميدان يسع كل الهمم والإرادات، فهذا دين رب العالمين جميعًا، يسع العالمين جميعًا بيسر الحمائل، فإن أثقلتك الذنوب فلا قنوط إذ قوارب النجاة مادة لك أذرعها تناديك ليل نهار، فالرحمن يمد يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ولو أذنبت في اليوم مائة مرة أو أكثر، ولو أتيت ربك بملء الأرض خطايا ثم استغفرت وجدت الله غفورًا رحيمًا، ولو قتلت مائة نفس معصومة ثم رحلت إلى الله سيفرح لك ويأتي إليك أشد مما تأتي إليه، وقد سبقك أن بغيًا من بني إسرائيل سقت كلبًا عطشًا فشكر الله لها فغفر لها، وإن من الكفر اليأس من رحمة الله، ومما يحبط الذنوب أن تسبّ الله تعالى فتقطع طريق التائبين عنه، فإن رجلًا قال: والله لا يغفر لفلان، فأغضبت مقالته رب العباد وقال: من المتأله علي، اشهدوا أني غفرت لصاحبك وأحبطت عملك.
افتحوا الأبواب ولا تضيقوا واسعًا فربكم واسع عليم، وانثروا للخلق عناوين الرحمة فكتاب ربكم عنوانه: (بسم الله الرّحمن الرّحيم) ، وإياكم والإلحاد في أسمائه، فإن رحمته سبقت غضبه.
إن جاءكم مثل"ضمام بي ثعلبة"فقال: والله لا أزيد ولا أنقص عن الصلاة المفروضة والزكاة المقدرة وصوم رمضان وحج البيت فقولوا: (أفلح ودخل الجنّة إن صدق) .
إن جاءكم مثل صفوان بن المعطل، وقد شكت زوجته حاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلاة الفجر تفوته بسبب النوم من غير تقصير فقولوا: (ليس في النّوم تفريط) .
أكثروا من قول: (لا حرج، فالرّاحمون يرحمهم الرّحمن) .
لا تشددوا فيشدد الله عليكم، ولا تكثروا على الناس فتفتنوا الناس، إذ يسعكم معهم صغار المفصّل.
ثم من جاءكم وقد علت همته لحظة فاهدوه إلى رشده، ومن جاءكم يطلب منحة فارفعوا له الأجر، ولأهل العوالي درجات السبق وقصب السبْق عرش الرحمن.
هذا دين الله يقبل القليل ويدفع للزيادة ويرفع الواقع لأن الصراع بين منهج الله ومنهج الشيطان وجنده.
تأملوا قوله تعالى:
(يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتّبعون الشهّوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا، يريد الله أن يخفّف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)
هذه هي المعادلة، فالله يهدي ويتوب ويخفف لأن الإنسان ضعيف، ومنهج غيره شهوة عاصية وميل عن الحق، فمع من أنت يا عبد الله؟
علّموا الناس الواجب، ثم أعلموهم بالدرجات، فأبقوا في النفوس الرجاء وادفعوهم للعوالي، وأعلموهم أن الجهاد هو باب الولوج إلى الفردوس الذي سقفه عرش الرحمن وهو أفضل الجنة وأعلاها ومنه تتفجر أنهار الجنة، فكما أن المجاهدين بأيديهم تتفجر الخيرات في هذه الدنيا، وبفعالهم تسعى القلوب هداية، (فلولا دفع النّاس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكنّ الله ذو فضل على العالمين) وبالجهاد حياة البشرية (استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يحييكم) أي الجهاد، فحق للمجاهدين أن يكونوا عند نبع النعيم في جنة الرحمن، في الفردوس الأعلى، فاللهم اجعلنا من أهله.