عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جهّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا) .
ليس في الركب إلا مجاهد، لا فرق بين حمل السلاح أو أعان حامله أو سدّد المسار، فإن كانت تلك تهمة فهي تهمة حق، وإن كانت منافسة على الأجور والدرجات فالقسمة سواء، فالركائب لا تدوم ولا يطمئن أهلوها إلا بالمدد وحماية الظهور واطمئنان على الأهل والمال والولد، فهذه طريق لا طرد فيها لأحد، ولا تفضيل فيها لأحد باعتبار الصنعة إنما التفضيل بإتقان الصنعة، والإخلاص لها، ومداد التقوى الساري في القلوب، فعجيب لمن يتكلم عن الشجاعة وهو لا يعرف أفنانها ولا همومها، فهل الخائض قتلًا في أعداء الله مقتحمًا بفرسه في غمراتهم أشد شجاعة ممن بات على ثغر الحرائر ليس هناك سواه، ملق بسامعته لتلتقط أدنى حس أو خبر، يخاف أن تؤتى الذمام من قبله؟! لا والله، وهذا هو أبو بكر رضي الله عنه أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكر عنه كثير قتال في بدر مثلًا كما ذكر من شأن حمزة رضي الله عنه، وكان موقعه على غرز رسول الله وخيمته، كما كان موقعه في الهجرة يحميه ويحوطه بنفسه، وبذلك عرف له الفضل، وها نحن نرى اليوم أن من قدّم ماله في سبيل الله معرض للإبتلاء أشد ممن هو آمن مع سلاحه مقاتلًا، والمواطن لها رجال، فمن جهالة البعض اختزال مواطن الجهاد في موطن واحد، بل العدل والعقل هو النظر إلى الحياة وما فيها من سبل وفجاج، وإكبار الناس الواقفين على ثغور هذه السبل والفجاج، فالمجاهد المقاتل ما كان له أن يقوم لولا إمام المسجد، وما كان له أن يقوم لولا من يعلّم طفله سورة الفاتحة والإخلاص، وما كان له أن يقوم لولا من يحميه في ظهره بالدفاع عنه وعن عرضه بالبيان وسحر المقال، وها هي دول الشيطان تنفق الملايين لصرف الناس عن دينهم لا بالحرب فقط ولا بالسلاح فحسب ولكن بإغواء الكلمة والصورة. فالقائم لهم أشد في نحورهم من رامي النبل كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وكما ينزل الله الملائكة لنصر المجاهدين المقاتلين فهو ينزلها كذلك لتلك المعاني كما قال البراء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (أهجهم وجبريل معك) ، والركب المجاهد في مسيرته مطلوب أن يعرف مقامات الناس وفضلهم في أماكنهم، (فالساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل) كما قال المصطفى من حديث صفوان، وغرور الناس في صنعتهم مفسدة للركب وهي أشبه بدعوى الجاهلية وحقيق أن يقال لمن تطاول على إخوانه بنسب الصنعة أن يقال له كما يقال للمفتخر بنسب الآباء، ثم قد علم من فنون الحروب أن الجبهات المقاتلة لا تسع كل الناس، بل إن زاد أهلها عن الحد صاروا عبئًا على الناس، فبهذا يعلم أن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. ألا فليعلم أن مكشوف الظهر لا يدوم، ومهموم البال لا يصمد، والجائع لا يقوم، ومن غير وقود يستحيل ما في النار رمادًا لا يشتعل، فلابد للركب من كلمة حانية تنافح عنها، وحادٍ يدفع العيس حتى يقال له: (رفقًا بالقوارير) ، وتاجر يؤمن جيش العسرة عثماني القلب والنفس، وصاروخ في الجيش خير من ألف فارس، وحكيمة كأم سلمة تقول لحبيبها إن دخل عليها مهمومًا من تخلف الناس:"يا نبيّ الله أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك، وتدعو حالقك فيحلقك"فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. وهكذا تتوزع المهمات بحسب القدرات وما قدر الله فيها للخلق، كل يعلم أن ما هو فيه خير وأن غيره في خير كذلك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.