عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) قال أبو هريرة:"إقرؤوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين) ".
على موائد الكريم ترتاح الركائب وتلقي غبار السفر وشعثاءه، فقد لاقت هذه القوافل الكثير من المكاره، وكثرت فيها جراح الكتائب، وحطمها الناس من كل جانب، فآن لها أن تقطف الأجور وتذوق النعيم، مرت هذه الركائب جوعى وهي الأسد الضواري والكلاب حولها تلغ في الدنيا، مرت وهي صابرة لاهثة، صابرة عما ترى ولاهثة للنصب التي علقت في قلبها: أن الراحة فقط بلقاء الرحمن.
إي والله لقد جهدت هذه الركائب بأحمال كالجبال، فاشتاقت أرواحها إلى الجوار وصحبة السيد العظيم الجليل عند عرشه (ربّ ابن لي عندك بيتًا في الجنّة ونجني من فرعون وعمله) .
هل هناك كتاب يطبب دون ذكر الجنة؟!، وهل هناك مجلس يتزكى بغير عرف طيبها ونسيمها؟! أليست هي من شغلت هذه القلوب المسافرة عن نعيم يعرض هنا وهناك ألهى الكثيرين عن ترحالهم؟! أليست هي من أنست المتألمين آلامهم تحت سياط الجلاد وقيد السجان وغبار العساكر؟! أليست هي من أقلقت الجنوب عن مضاجعها فانتصبت الأقدام لتناجي الأرواح حبيبها ومولاها؟! أليست هي من هوّنت خوض الصفوف واقتحام الأهوال؟! أليست هي من خففت آلام هجرة الأرواح والأولاد والأوطان؟! أليست هي من أبكى العيون ذكرها والشوق إليها؟! أليست هي من أضحكت الغافلين على هؤلاء الفقراء وهم يصرخون فيهم: ما وعدتم إلا غرورًا؟! أليست هي الجميلة الرائعة التي ألهت القلوب عن طعامها وشرابها فصامت محتسبة صابرة؟! إذًا أبشروا فهناك ستحطون أثقالكم وأحمالكم وآلامكم وسترون ما لا تعلمون.
هناك مائدة الكريم، ومائدة القيوم، ومائدة القدير، ومائدة الغني، وإذا كانت الموائد على قدر الكرم والغنى فكيف هي مائدة الكريم الذي له يدان هما يمين كل منهما سخاء لا يغيض عطاء واحدة منهما؟! وكيف هي مائدة الغني الذي أمره كن فيكون؟! فهل لهذا العقل المحدود القاصر أن يتصور حدود عطاء هذا الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء؟!
هناك حيث يجتمع الحبيب مع حبيبه بعد طول مسير: فكم ناجاه غيبًا!، وكم بكى له ورجاه وراقبه غيبًا! وكم ذكره في سره وعلى لسانه وأفاض في حمده وتسبيحه وتكبيره وتوحيده وهو يرى فقط آثاره؟! فالآن جاء دور كشف العذار ورفع الحجب لينعم هذا المشتاق برؤية الحبيب، فتزهر الوجوه نضرة وبهجة وسرورًا، (و وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة) .
هذه الجنة المخفية الغائبة هي التي أجازت في هذه الدنيا بين عقل بهيمي وعقل رشيد، إذ البهيمة هي التي لا تفهم إلا أن يلوح لها بالشيء أمام عينها لتركض إليه، وأما العقل الرشيد فهو الذي يؤمن بالغيب ويدرك حقيقته حتى وإن غاب عن عينيه.
هذه الجنة هي التي فرقت بين أرواح خبيثة وأرواح علوية، خبيثة لأنها رضيت بالأدنى وقبلت بالعاجلة السريعة وفرطت بالوعد الآتي مع خلوده وروعته وجماله، أرواح خبيثة استمرأت لقيمات قليلة مغموسة بالكفر حيث رفضت أن تؤدي لله حقه، وأن تعرض عن الشهوات النجسة، لكن الأرواح العلوية هي التي صبرت على الهواجر والمكاره وهي على يقين أن الواحة تنتظر وتتزين للراغبين، فهم يشمون أرواحها تهب على أرواحهم فتحيل آلامهم وتعبهم ونصبهم عزيمة وصبرًا فوق صبر، أرواحها تداعب أرواحهم فتبسط عليها ندى اليقين الذي يرطب قسوة الحياة وشقاءها.
لقد آمنتم بها غيبًا والآن تعيشونها عينًا، ولقد سألتموها رجاءً والآن تحلون بها ملوكًا، ولقد بعتم أنفسكم وأموالكم من أجلها والآن تقبضون المزيد، ثم يحل عليكم الرضوان فلا يسخط عليكم السيد العظيم الجليل.
لقد أدركتم أن سكين النهايات يُنغّص كل نعيم في العاجلة، فكان الموت يسرق الملوك عن عروشهم، ويرحل بالأثرياء عن أموالهم، فطابت نفوسكم إلى أرض الخلود الذي لا ينقطع والنعيم الذي لا يتحول، والسعادة التي لا تنقضي فها هي الآن بين أيديكم (فنعم عقبى الدّار) .