عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل) .
محنة القلب مع الحنين لما فات وانقطع يدفعه الحنين للآتي، وحال الدعاة والعابدين والمجاهدين مع مملكة الدنيا وأشيائها إنما هو (لا يصلّينّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) ، وإن صاح بك صائح"الصلاة"فقل له:"الصلاة أمامك"وعلى دابتك سر"العَنَق"فإذا وجدت فجوة فنُصّ [1] ، ولا تقف على الأطلال باكيًا ولا على ما حصلت مغترًا، فما في هذه الدنيا إلا"فانٍ وابن فانٍ"، والذكريات مكانها القلوب فإن نزلت إلى الأرجل صارت ثقال سفن معوقة.
ما تعطلت الإرادات إلا بالخوف على فوات ما في اليد شغفًا به، مع نسيان أن ما هو آت هو أجمل وأفضل، فالعناء محتمل إن كان في النهاية غنيمة وراحة، وشعثاء السفر غبار زائل تذهبه غسلة ماء واضطجاع جنْب الحبيب المنتظر ثم يعود مجرد ذكرى.
الباكون الحريصون على"منجزات"دعوتهم وجهادهم وأعمالهم وقد اطمأنوا إليها وتلاءموا معها (فطال عليهم الأمد) في ظلها فبردت جنوبهم إليها واهمون، فما هي إلا دنيا ذابلة، مع أن الطريق طويل والواجبات أمامهم، لكنه جهل"الإقامة"في ظل شجر بارد موقوت.
الهجرة حال دائم، واتخاذ الضيعة مرغب بالإقامة فكيف يلتقيان؟! فالمهاجر متخفف، حامل لمتاعه دومًا، أينما سمع هدفه طار إليها، أو واحة علم طارت نفسه لها شعاعًا، فكيف لعالم أو مجاهد أن يقيم والهيعات كثيرة والواحات دونها بيد.
"الاغتراب"همُّ المميزين في أزمانهم، في رحلتهم مع المعالي، وبخطأ يقترفونه دومًا هو محاولة الإقتراب من هذه الأزمان واجتناب دنياهم، فتزداد الآلام ويحصل الإفتراق، وحينها يكون المرض، ومع العابدين تكون"الغربة"علاجًا، فبينهم وبين أزمانهم علاقة يعرفون أنها"عابرة"لا تقيم، وأنها"غريبة"لا تتأقلم، يربطها الحنين إلى ما هو آت من الجنان ولقاء الرحمن، وإلا فحدثوني عن أئمة الزمان من الرسل وأتباعهم كيف قدروا أن يحتملوا جهالات عصرهم، وظلم قومهم، وضعف همم الخلق عمومًا؟
اجعل بينك وبين كل شيء في هذه الدنيا مسافة في عقلك وقلبك ونفسك، لأنه الأروح لها إن فارقته، وأنت لابدّ مفارقه أو مفارقك، فالتعلق في الدنيا رأس الخطايا، وإن أول معصية في الأرض بين أبناء آدم عليه السلام إنما كانت بسببها والتنافس عليها، إذ يتصور الإنسان واهمًا أنه لا يمكن أن يعيش بدون هذا الشيء من أشياء الدنيا، فيغلبه الهاجس المرضي كمجنون ليلى، ويسيطر هذا الشيء على روحه حتى تشربه كما أشرب بنو إسرائيل العجل، مع أنه لو تفكر قليلًا لعلم أن الكثير من الناس يعيشون بدونه، وهم في استغناء عنه، وهذا الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغنى وأنه ليس بكثرة العرض، ولكنه غنى النفس.
"الاغتراب"للعابد العالم والمجاهد ليس مرضًا ولا رهقًا يحمله، بل هو اختيار عقلي وقلبي، فهو ليس مقهورًا بزمن، ولا بوطن، ولا بعرض فيها، بل الزمن بالنسبة إليه رحلة عمل، فلا تشغله اللحظة إلا بمقدار ما ينجز فيها من عبادة فهو يسبح ربه ويسجد له ويجاهد فيه ويزداد فيه علمًا وبصيرة، حينها يصبح الزمن هاربًا وهو يلاحقه، لا حملًا ثقيلًا يرهقه وهو يهرب منه، وأما"الوطن"حيث حلت فيه أول تعاويذه فبالنسبة إليه رحلة ذكرى لوطن قادم فينتظره، له فيه أهلون هم ينتظرونه كذلك، فهو عابر سبيل ينظر ولا يحمل، ويتأمل ولا يثقل، ويلمس لكن رجله في الغرز سائرة لا تقيم.
غريب أو عابر سبيل: غريب حاضرك مع الدنيا، عابر سبيل مستقبلك إلى الآخرة.
غريب في ما أنجزت مع الدنيا، عابر سبيل إلى واجبك الذي هو آت.
(1) وصف دفع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة بقول أسامة رضي الله عنه: كان يسير العَنَق، فإذا وجد فجوة نص، وقال له في الطريق: يا رسول الله أتصلي؟ فقال: (الصلاة أمامك) .