عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوه، واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما - فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور) .
الحرص على النهايات ينبغي أن يكون بمقدار هِمّة البدايات وإلاّ خاب المسعى وضاع الجهد والعرق، والنفوس قد تنشط للبدايات لأسباب عديدة منها عدم إدراك النفوس ما ستلاقيه من تعب ونصب إذ تقبل على الأعمال برؤية الجمال فإذا أصابها لظى العمل وقسوتُه ارتدت وانتكست، ومنها أن بعض الأعمال تبدأ بصفة الجمهور وبنزعة القطيع ثمّ تبدأ التصفيات وصولًا للقلة الواعية، ومنها ما يصيب النفوس من كسل أو يأس، كسل في الإرادة والأعمال، ويأس من النتائج إن طالت الطريق، وكل هذا من أمراض النفوس وعد ثقتها بالحق نفسه، (و ما يلقّاها إلّا الّذين صبروا وما يلقّاها إلّا ذو حظٍّ عظيم) ، فالصبر هو وقود الثبات، وكما قال الله تعالى: (و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يؤمنون) "فالصبر يمد بالثبات، واليقين يمد بالأمل"، ولا علاج للنفوس إلا بالثقة على الحق وعدم الندم على ضياع الشهوات الدنيوية، والعاملون لدين الله تعالى من مجاهدين وعلماء ودعاة هم أحوج الناس إلى الصبر واليقين، فإن الطريق طويل طيلة الحياة إلى الموت، والطريق شاقّ محفوف بالإبتلاء، إبتلاء يصيب البدن وابتلاء يصيب العقل والمعاني، وهكذا المعالي لا تكون إلا بالكَبَد كما قال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزُلزِلُوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ إلا إن نصر الله قريب) ، وفي الآية أنه لا يكون النصر واليسر والفتح حتى تَصلَ ذروةُ الإبتلاء أقصاها كما قال الله عن الثلاثة الّذين خُلِّفت توبتهم: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم) ، والقصد أن الخط البياني مع البلاء في صعود وكلما ارتقى الإبتلاء درجة سقط قوم والتحق آخرون، فمن سقط يسقط لجهله وشهوته، ومن التحق فإنما لالتقاء عقله وقلبه مع هذه المعاني الراقية العظيمة، فإذا كانت النهايات لم يخلص إليها إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى، فهذا الدين عمل مع الله تعالى وهو دين الآخرة كما قال عن أصحابه: (إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) .
في هذا الحديث التحذير من النكوص على الأعقاب قبل التمام، فإن عدم التمام يدمر البدايات، فتعسًا لرجل عمل للجنة حتى إذا اقترب المغيب صار إلى أصحاب أعمال النار.
في واقعنا كم رأينا من كانت بدايته على خير ودين ونصرة للحق وأهله، وصدعًا بكلمة الحق حتى لتظن أن هؤلاء هم وُرَّاث المرحلة، فيُبسط لهم في قلوب الخلق حبًا ثمّ إن هي غلوة طريق حتى أخذوا ذهابًا يمينًا وشمالًا فبئس ما ضيعوا.
وفي الحديث إشارة أن السبق لا يُمدح إن لم يواصل، فالسابقون فضلهم بالثبات حتى اليقين، أما تجار التاريخ الذاهب والزمن الخالي وهم في عدوة أهل الباطل فهؤلاء ذمُّهم أولى من غيرهم لأنهم عرفوا الحق وأعرضوا عنه.
لقد علمتني الحياة قيمة هذا الحديث وهو صعوبة النهايات ومشقتها على النفوس، فإن الهمم يصيبها التعب كما يصيب الأبدان، والمرء يحتاج إلى تجديد همّته كما يحتاج إلى تغذية بدنه، وتغذية الهمم تكون بالتذكرة ورفقة الأصحاب، والحرص على مجالسة المبتدئين في قوتهم وإقبالهم وهدايتهم فلهؤلاء قلوب جديدة وهمم سابقة، إذ أن طول الأمد يخلق ويبلي.