عن أنس رضي الله عنه قال: كنّا عند عمر فقال:"نهينا عن التّكلّف".
الوعود الإلهية جليلة عظيمة، وهي تكاليف شرعية على الأمة، يجب أن تسعى إليها لتبلغها، ولكن هيهات أن تكون تكاليف النهايات هي حمل البدايات، فظالم لنفسه من لم يعرف قدره ووسعه، إذ في ذلك هلكته، فمن حكمة العقلاء وهي سنن الأنبياء معرفة ظروف الحلقة التاريخية التي يعيشونها، وما هي متطلباتها ووسعهم فيها، وتجاوز ذلك ما لم يكلفه الله تعالى، وفي المعصية الزلل والهزيمة، فلا يصلح للخلق إلا ما كلفهم الله به، ولم يكلف الله تكليفًا إلا وشرطه القدرة، وتكليف ما لا يستطيعه المرء خارج عن حكمة الشرع والعقل.
السيرة النبوية هي النموذج الحي في إمكانية بلوغ الغايات العظيمة والنهائية من البداية، ودون التخلي في كل مراحل المسيرة عن قيم الحق ومبادئه، وكان الشرط المصاحب لكل النجاحات في كل مراحل السيرة هو تجنب الهلكة وذلك في ترك التكلف، إذ وضع النفس في الموضع الغلط هو الذي يحقق السحق والهزيمة والتعوق، فحين جاء السيل هادرًا في الأحزاب لم يواجهوه بشواخص بارزة، ولم يخوضوا حرب مواجهة كبرى مع الجميع في موقعة واحدة، بل هو بناء صبور بحسب الوسع والقدرة، وحين يدعون إلى مرحمة بلا خيانة لم يترددوا في اغتنامها، وحين يحضر موطن الحرب فلا هذر ولا مخاتلة، وحين يكون الحوار فلا وجود إلا للكلمة الحسنة والموعظة الرقيقة، فلا يذهبون بعيدًا والماء تحت أقدامهم، فلم تستفزهم الوعود العظيمة بفتح فارس والروم أن يرموا أنفسهم في قضايا أعظم من وسعهم في كل مرحلة، بل كان التعامل مع كل مرحلة ضمن ظروفها لا من خلال الوعود الإلهية بأخذ المشرق والمغرب، ولعل في حادثة صلح الحديبية عبرة وعظة في التوفيق بين الوعود وبين القدرات الظرفية، إذ كان الوعد بالفتح حاضرًا، فظن الصحابة أن حضور الوعد يعني الذهاب إليه مباشرة مع تجاوز الظرف التاريخي، وفي ذلك مصادمة للسنن التي أوجب الله على البشر العيش من خلالها، والهدي النبوي هو هدي السنن، والهدي معناه عمل البشر الملائم للتكوين، وبذلك يقع النجاح، هذه قضية يجب على العاملين لدين الله تعالى أن يفقهوها، وهو أن الشرع ليس فيه قط ما يسمح بتجاوز سنن الخلق والتكوين في النفس والمجتمع والطبائع، إذ يظن البعض أن الشرع يعطي صاحبه والعامل به قوة خاصة تجعله يتجاوز السنن التكوينية، وكأن الحياة مع المسلمين هي الكرامة المتواصلة الخارقة للعادة، ولعمر الله هذا هو أبطل الباطل، ومما يؤسف له أن الحديث الدائر حول الوعود الإلهية وبركات الشرع كله يدور حول هذا الإطار، وهو أن السنن التكوينية تكسر وتتغير للعامل بالشرع والعابد لربه والذاكر له، فيا ويح هذا التصور كم أفسد من عقول وكم أوقع المسلمين في الهزيمة والهلكة، ويسبغ البعض على هذه التصورات الباطلة آيات قرآنية يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) وكقوله: (إنا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ويتجاوزون معنى الغلبة والنصر الملائم للظرف، فإن الله سمى نجاة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من القتل في حادثة الهجرة نصرًا فقال: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا ... ) وسمى خروج إبراهيم عليه السلام من النار سالمًا نصرًا فقال: (و أرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين) وسمى نجاة نوح عليه السلام وهلكة قومه نصرًا فقال: (قال ربّ انصرني على القوم المفسدين) وقد فعل سبحانه، وهكذا النصر والهزيمة أمران اعتباريان بحسب الحلقة التاريخية وليس لهما مفهوم مطلق في الوجود، والمقصود هو التنبيه على أن العامل لدين الله تعالى لا يجوز له أن يحمل حملًا أثقل مما آتاه الله من الوسع والقدرة اتكالًا على الوعود النهائية العظيمة، فإن السنن التكوينية لا تحابي أحدًا وعبادة الله لا تعطي المرء حالة خاصة ولا قدرة خاصة يقفز بها عن هذه السنن التي من عدل الله أن تجري على الكل بلا محاباة، والحق معناه موافقة التشريع للتكوين، فالخبر موافق للحدث، والأمر موافق للغايات، وبهذا عرف العقلاء صدق النبوة المحمدية وما أتت به.