فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 98

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم"الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".

مِلاَط الوصول بين الركائب باتفاق الحِمْل، فإذا اتفق الهم سميت على وحه الوحدة وإلا فهي غبار ريح، والجنود لا تنبت من الأرض بل تجنّد بالحمل، فحمل من معدنه وحمل من صانعيه ويد صاحبه، وبناء الجماعات يتم ببناء أرواحها، وهي الهموم والغايات، فالعلم رحم بين أهله وكذا التقوى والجهاد، يتواصلون بينهم بالهدية والسلام والدعاء والحب، وبناء في أبدانها، فالميدان يجمع أهله حين تنصب الأقدام على طريق الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، وعلى طريق الإعداد الذي هو دين الله رغم أنف المخنثين.

(لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم) والتأليف هو الجمع على وجه الجمال وروعة المعنى، فحين تتفق الحروف في اجتماعها على معنى يكون تأليفًا، وكذا الناس حين يجتمعون على هم واحد ومقصد متفق يكونون على ألفة ومحبة، وبذلك تقع مقاصدهم ويبلغون أهدافهم، ومخطئ من ظن أن هذا الحديث يتحدث فقط عن أمر قد قضي وانتهى والناس يعيشون على وضع لابد لهم فيه بل الحق أن هذا الحديث مع حديثه عن ذلك إنما يتحدث عن أثر ما يجنّد المرء فيه من تربية أهله له ومن تربيته لنفسه، فهي"مجنّدة"والتجنيد كالعلم الذي هو بالتعلم والصبر الذي هو بالتصبر، فما جند المرء نفسه له فهو جندي له، وبهذا يحدث اللقاء على وحدة الطريق والهدف، وقد حصّل الصحابة رضي الله عنهم أهدافهم لوعيهم العميق لما يحمل القائد من هدف ومقصد، وبالتالي صمدوا أمام محن الطريق لحبهم لقائدهم وحبهم المتبادل بينهم، وهذا عمر رضي الله عنه يقول:"ما رأيت أن شرح الله صدر أبي بكر فعلمت أنه الحق"وذلك في قتال الصحابة للمرتدين، وهذا مرجع يتعلق بأمر القلوب والأرواح لا كما يعلم المحجوبون بالألفاظ والشعارات الجوفاء.

الجماعة المسلمة جماعة محنة وابتلاء، ومكر أعدائها بها شديد - (و إن كان مكرهم لتزول منه الجبال) -، وتصفيتها من الدرن خلوصًا بها إلى الطهر هي سنة الله تعالى بها، فحالها كأنها على نار وشدة، ومن كان هذا حاله فلا يصمد إلا بحمل ثقيل من الإيمان والتقوى، وتدريب شاق على المهمات وخاصة ما يتعلق في داخل الجماعة نفسها، فالمرء حين يرى وجوهًا يعرفها ويألف بها ويأنس معها فإن نفسه تثبت وتؤوب إن أصابها الفزع، أما إن نظر فرأى وجوها منكرة لا يعرفها، ومختلفة متدابرة فإن الغربة تشتد عليه والمحن تتضاعف وحينها يقع المحذور من الفرقة التي هي رأس الشقاء والهزيمة، وقد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المحن العلمية والعملية الشيء الكثير، لكن حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وألفة قلوبهم الطاهرة لقلبه الطاهر، وأنس أرواحهم الخالصة بذكرى الدار الآخرة مع روحه التي هي كذلك بل هي أعلاها وأسماها في ذلك، كانت هذه المحن تمر عليهم فتزيدهم صلابة وقوة، ففي أُحد تجد الصحابة يشتدون بالإلتصاق من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال لو كان مع غيرهم لوجدتهم مجرد أشباح ذاهبة، وفي صلح الحديبية حيث الفتنة العلمية، فرسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم بالفتح، وفهموا من ذلك أنهم سيدخلون مكة هذا العام، فما أن عقد الصلح على صورة لم تخطر على بالهم، ورأوا فيها تنازلًا عن تولي المؤمن لأخيه، وتنازلًا عما عقدوا العزم عليه من الإحرام للعمرة، فثارت نفوسهم، واشتد الأمر عليهم حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإحلال فلم تقو أبدانهم ونفوسهم على ذلك، وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبانًا خوف هلاكهم من هذه المعصية، ثم لما خرج إليهم وحلق أمامهم وأحل من إحرامه، قاموا يحلون ويحلقون حتى يكاد الرجل يدمي صاحبه من الغضب، فمثل هذه المحنة الشديدة لم يكن ليثبت لها جند إلا إن أحبوا صاحبهم وتعلقت أرواحهم به لاتفاق الحال وأنس السمات مع السمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت