عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تجدون النّاس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير النّاس في هذا الشأن أشدّهم له كراهية، وتجدون شرّ النّاس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه) .
لا دين نافع إلا بعقل راشد حكيم، ولا عقل صحيح إلا بفقه مكين، والخيرية لا تكون بنص معلق في أعناق أغبياء مغفلين، كما لا تكون من غير معرفة الحلال والحرام، وفي الجاهلية عقول سليمة في معدنها، صقلتها حكمة الحياة وتجارب السنين وعظة الأيام، هم خير هذه الأمة إن أسلموا وفقهوا أحكامه، فالدين الحق لا ينفع إلا إذا وضع في وعاء حكيم رشيد سوي، وهو العقل، وأما وعاء الغباء والسفاهة فالدين ينجيه لنفسه لكن لن ينفع غيره ولا يجوز أن يكون له الخيرية في أمة الإسلام ولا جماعات الحق، فكيف إذا اجتمع في المرء خصلتا الباطل، فلا فقه عميق بل هي الألفاظ وحفظ النصوص بلا علم بها، ولا حكمة أهل الجاهلية؟! حينها ولا شك الخراب والفساد.
ثم إن هذا الدين لا يقوم به إلا الذين يأخذون الأمور -كل أمور الحياة- بجدية وتفاعل حقيقي، أما الذين يريدون إرضاء كل الأطراف، ويداهنون كل المختلفين، فالقيم عندهم نسبية، والقرارت متلونة، فهؤلاء لا نفع فيهم لهذا الدين.
الدين هداية، لكن لا ينفع مع آلة هي فاسدة في تركيبها، كما أننا نعلم أن هذا الدين نور كنور الشمس لكن لا ينفع هذا النور مع الأعمى، فلابد من نور العين ونور الشمس ليقع الإبصار، وكذلك هداية الشرع لا تنفع بلا رشد العقل وحكمته، والعقل الرشيد الحكيم لا يضطرب في أي موضع كان فهو معدن نفيس إن كان قدره مع أهل الجاهلية كان خيرهم وأنفسهم، وإن كان مع أهل الإسلام كان خيرهم وأنفسهم، فهو عقل أصيل في معدنه لا يتلون بالزور ولا بالمخادعة، بل هو ثبت لثبات قيم الحكمة والرشد فيه.
هل هناك فقيه غبي؟ الجواب نعم، كما هناك حكيم كافر، فحصول الكمال ممنوع بموانع خاصة لكل حالة، فلا ينبغي أن نثبت الحكمة لكل فقيه، كما لا نثبت الحق مع كل حكيم، وخير الخيرين هو الفقيه الحكيم العاقل الرشيد، كما أن شر الشرين بعد الفقيه الغبي والحكيم الكافر هو ذو الوجهين، أي استخدام العقل في تبرير كل فعل وقول وحمله على وجه القبول والرضى، ويسمون هذه حكمة كذبًا وزورًا عليها، إنما هي النفاق والثعلبة، فالحق واحد لا يتعدد، وقد قامت حكمة السماوات والأرض مع التفريق بين الخير والشر وبين العدل والظلم وبين الإسلام والكفر. (خير النّاس في هذا الشأن أشدّهم له كراهية) هؤلاء قوم لا يحبون المخاتلة، فهم يعطون ما يؤمنون به كل شيء، ويبغضون ما يكفرون به إلى النهاية، إرادتهم لا تقبل المناصفة بل يذهبون مع إيمانهم إلى النهاية، كما لهم أن يكونوا مع دين الله ومع جماعة الحق، فحينها يحملون هذا حق الحمل، ويعطونه كل أنفسهم ويحاربون أعداءه إلى آخر رمق (تقاتلونهم أو يسلمون) فهم يبغضون اعداءه كل البغض كما يحبون أصحابه كل الحب، فهذه منطقة لا تقبل القسمة، فبئس أصحاب نسبية الحق في هذا الباب كم افسدوا دين الله وحياة الناس.
لو راجع الناس تاريخ هذه الأمة فلن يجدوا أي مكرمة قدمها (المداهنون) ولا دعاة أنصاف الحلول، بل كل المكرمات سجلها أصحاب المواقف الواضحة الجلية، والآخذون بـ (الرخص) لهم سعة لأنفسهم لكن لن يقدموا للأمة شيئًا، ولا تنتفع الأمة بهم، ففي محنة خلق القرآن إتقى من إتقى خشية السيف أو السجن أو الضرب ووسعه الأمر، لكن حسم المعارك والقضايا كان بيد من أظهر وواجه وتحدى، نعم أصابه ما أصابه لكن هذا هو الطريق، إيذاء وإبتلاء ثم نصر وتمكين، فإذا كانت (الرخص) لا تنتفع الأمة من أصحابها فإذًا سيكون شأن (المداهنين) ممن يريدون إرضاء كل الأطراف على حساب الحق وقيمه، وعلى حساب الدين والإسلام؟ إنها بلا شك جريمة تعود على دين الله وأمة الإسلام.
فهذه خصال الخيرية، فمن أراد الفضل فليسعى إليها:
1.عقل رشيد حكيم.
2.فقه مكين عميق.
3.صلابة في الحق ومواقف ثابتة.
وشر الناس المتلون، فإن اجتمع معه قوة البيان فهي الطامّة الكبرى، والفاقرة التي اجتمع فيها كل مقومات الفتنة للأمة.