فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 98

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّما النّاس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) .

الرغاء كثير والفعل قليل، وحين يزمع الناس على الركوب تكون للرواحل الصبورة الكلمة الفصل، فالبهرج لا يجدي في الأسفار والمشقات بل هو نافع لأهل الخمول والكسل ومحبّي الإقامات على الذل والعفونة، وشتان بين ما يوضع في القواعد والأساسات وبين ما يعلق في العوالي للزينة والمنظر، فللقواعد الحملة متون قوة وصبر وجلد، مع أنها للحمل وللزينة البهرج واللمعان والصوت العالي الجميل، مع أن العيون بها معلقة، ولكن العبرة بالنافع لا باللامع.

قوام الإبداع"بالتخصص"، هذه الكلمة المعاصرة الدالية على مقدرات خاصة وخبرات مميزة في باب من أبواب الحياة المعرفية والعملية، هذه القدرات والخبرات يصنعها الانقطاع لهذا الباب المعرفي والعملي، إنقطاع الإخلاص والتفرغ والبذل والتضحية ليصل إلى الإبداع وتحقيق المنافع اللازمة للأمة والجماعة، وإذا كان الأقدمون قالوا عن العلم: إن أعطيته بعضك لم يعطك شيئًا، وإن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وأنت مع هذا البعض على خطر عظيم، فهذه قاعدة حق في كل العلوم المعرفية والعملية إذ يموت المرء وفي قلبه شيء من (حتى) .

المشاركة في العلوم، أي الإصابة فيها بنصيب لا يصل لحد"التخصص"خير للمرء لكنه لا ينفع الأمة إلا بمقدار وضْعه في تحقيق الإبداع الذي ينتجه التخصص، إذ تحقيق المنافع الباهرة للأمة المتقدمة التي لها حق القوامة والشهادة لا إبداع من دون تخصص، لأن الإبداع هضم للسابق وبناء جديد يتم به السفر الطويل لتحقيق المهمات اللازمة.

المشاركون كثر، والأمة لا تتحقق إلا بمجموعها دون عزل لأحد مهما كان صغيرا أو ضعيفًا، لكن النفع الذي يتحقق به الإبداع ورحلة الشهادة والقوامة لا يكونان إلا للمميزين والمبرزين، وهؤلاء قلة ونُدرة بما يملكون من فطرة مميزة وإرادة حية قوية وجلد مثابر، وهؤلاء على الأمة أن ترعاهم وتوفر لهم سبل الحياة وما يحتاجون من أجل تفرغهم لما هم فيه وإلا ضيّعت الأمة نفسها بتضييعهم، كما أن عليها أن توفر المناخ الملائم لظهورهم، إذ الحقائق لا تظهر إلا في ميادينها، وجماعات الجهاد والعلم والدعوة والفكر في رحلتها الطويلة لتحقيق الشهادة مدعوة لرعاية هؤلاء واكتشافهم ووضعهم في بيئتهم الملائمة.

في الأمم والمجتمعات ليس مطلوبًا تميز الكل ولا أن يكون الكل عالمًا وقائدًا وذكيًا فلا يوجد أمة حققت أهدافها بمثل هذا الشرط، لكن شرط في القيادة ورعايتها، ونحن نلحظ أن مهمات الأمم تحققها الإرادة المميزة التي لها الفرادة عن بقية القوم والأمة، ومن خلال هذه القيادة -الراحلة- يسير القطيع وراءها، وبالتالي يحكم على الأمة من خلال هذه القيادة والرأس لا من خلال أفرادها الذين هم في عرض الناس، إذ الناس هم الناس، لا تكاد تجد فيها راحلة، ومن طلب غير هذا الأمر إنما هو طالب النار من الماء وهو من باب تعليق أمر على العدم لا غير، ورسولنا الذي يقول هذا الحديث هو الذي حمل أمته التكاليف، والقائد الفريد هو الذي يحقق الإمكان من الموجود لا أن يذهب في وديان التقريع ليسقط التكاليف، فشتان من يعلم هذا الحديث ويعمل به ويفهمه حق فهمه على وجهه الصحيح وبين من يستخدم عجز الكثير أو جهلهم ليرفع التكاليف عن الأمة ويعلق مشروع الأمة في السعي إلى أهدافها على غير شرط صحيح وذلك بأن يصبح الكل عالمًا قادرًا فيصبح الكل"رواحل".

في رحلة الجماعات لتحقيق الشهادة بالجهاد والعلم والدعوة سيعاني المميزون كثيرًا من عدم مستوى الكثير من القواعد فالخاسر هو الذي يهرب من التكاليف ويبتعد سابًا الجهل والتخلف أو العجز وعدم الإستجابة، وأما الذي تتحقق له مهماته فهو الذي يتعامل بواقعيه وإدارة حكيمة مع هذه القواعد، والذين يتصورون مجتمعًا أو جسمًا كاملًا من الوعي والبصيرة مر يومًا على ظهر الأرض هم واهمون.

هكذا الناس كثير والرواحل قليلة لكن لابدّ من الرحلة والحال قد يكون كحال الرجل مع المرأة حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت