فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 98

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس، فمن ولي شيئًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاستطاع أن يضُرّ فيه أحدًا وينفع فيه أحدًا فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم) .

إنه كما جاء في بعض الأحاديث أنه"في كل قرن سابقون"، يكونون طليعة الخير ومقدمي قومهم إلى الهدى والسَّبق، فإذا شاع الأمر وتسع ترى أن هؤلاء السابقين في خفاء وقلة، وكأن لم يكن لهم من الخير شيئًا، فيبرز للناس غيرُهم، ويتصدر سواهم، وهؤلاء القلة السابقة إن أخلصوا لربهم ونظروا إلى ما أعد الله لهم في الآخرة من وعود يفرحون لشيوع الأمر ويحمدون الله تعالى أن صرف عنهم زهرة الدنيا فلا يُنقص من أعمالهم شيء بسبب التعجيل، وكذا يفرحون أن الفتن صرفت عنهم، فهم ذاقوا مرارة البداية وعاشوا فتنة الضراء التي تصيب الدعوات في بدايتها، فإذا اشتد الأمر وصار له الصدارة جاءت فتن العاجلة والمال والقيادة والصيت والسمعة، وكذا فتن اللاحقين الذين دخلوا في الأمر مع قلة علم لحقيقته ولكنّهم التحقوا بالناس اتباعًا للشيوع والانتشار من الأمور، وهذه فتن السراء التي صرفت عنهم والتي تكون عادة للدعوات بعد انتصارها وشيوعها.

الأنصار هم مادة الإسلام الأولى في تحقيق انتصاره، تلك المادة التي كانت وقود الصبر الأول والجهاد الثاني، فقدموا الأرواح الغالية من قادتهم الكبار كسعد بن الربيع الذي قُتل في أحد، وسعد بن معاذ الذي قتل في الخندق، وقدموا أصول أموالهم التي يقتاتون بها هم وأهلهم من الثمار والحدائق، وقطعوا كل أسباب القوة التي يركنون إليها قبل الإسلام، فاليهود أحلافهم انقلبوا عليهم بالعداوة، وقرى العلاقات من مكة والطائف صارت حربًا، وأعراب البادية مطامعهم في أرضهم وثمارهم وأهلهم، فذاقوا بحق مرارة البداية الحارقة، ولما كادت الثمرة أن تينع رأوا وإذا زهرتها تُجْتنَى ممن قاتلوهم على الإسلام، ففي حنين وقد جاء خير عظيم من غنائم غطفان وهوزان فما راعهم إلا أن المال والزهرة الجميلة تفيض بلا عد ولا كيل على"المؤلفة قلوبهم"، أما هم فلا شيء، وهاجت نفوسهم بالألم، مع خوف غشي القلوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد مكة بلدَه وسيكون فيها مسترُّه، ومعنى ذلك أن يرجعوا إلى مدينتهم الحبيبة بلا شيء، ولن يجدوا فيها شيئًا، فقد خربت مزارعهم وثمارهم لانشغالهم بالجهاد عنها، وحينها لا يملكون إلا الدموع، فجرت هذه المعاني الحزينة على ألسنتهم بألم واستحياء دفين حتى وصلت إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم، فأرسل لهم جامعًا، حتى إذا جاؤوا وقف يكلمهم، بل في الحقيقة وقف يفجر براكين الإيمان، ويرسل ريح الهدى، ويشعل قناديل النور، فرحلت النفوس للجنان وسمت على كل هذه الدنيا الفانية، كيف لا وهو كلام رجل أحبهم أكثر من أنفسهم، ويشفق عليهم أكثر من شفقة أمهاتهم عليهم، ورحيم بهم أكثر من رحمتهم على أنفسهم، إنه كلام الحب العميق الذي يصل إلى حشاشة القلوب، واليقين البارد الذي يطفئ نيران الشهوات العاجلة والآلام الإنسانية، فقد عدّ فضائلهم على الخير، وذكّرهم بفضائل الخير عليهم، ثم"إن المحيا محياهم والممات مماتهم"وما سيرجعون به إلى رحالهم خير مما سيرجع به الناس، إنهم سيرجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم.

هكذا هي سمة الأوائل مع دعوة الحق، وفي كل قرن، ومع كل إحياء وتجديد لهذا الدين، فالطليعة الأولى إما إلى الشهادة مع الإبتلاء، ومن بقي يتوارى عن مناصب الدنيا لكثرة الزحام بعد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت