قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قيل يا رسول الله أيّ الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شِعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) .
صدق صيارفة الحديث حين قالوا: إن للحديث الصحيح نورًا يعرف به وإنه للكذب ظلمة يعرف بها، ومن نظر في هذا الحديث بعين التقوى ومقصد خلقه علم أنه لا يخرج إلا من فم نبي، فإنه حدَّ للعابدين حدّي الخير لمبتغيه، ومن ينظر إلى اجتهادات الناس اليوم ومن سبق عَلِم أن الكثير مما يقولونه خارج عن حد الخير والعدل، فالحديث يهدي إلى فعل الطاعة لمن قدر عليها فإن تعذّرت فالخير في اعتزال الفعل، هذا إن أراد خير دينه، وأما قول من قال -وهم اليوم كثير- إن الشر هو خيارنا الوحيد فهم كاذبون على قدر الله وشرعه معًا فإن الشر لا يكون أبدًا هو خيار المؤمن في حياته، إذ أن الخير هو الأغلب والأكثر في خلق الله وقدره، والله لا يأمر بالشر ولا يرضى به ولا يحبه، لكن إن صارت مطالب الإنسان متعلقة بالهوى والشهوة، لا بالكفاية والضرورة والحاجية حينئذ يتصور أنه لابدّ له من الشر والمعصية فيفتي له هواه وشيطانه من الجن والإنس أن ضرورة الحياة تجيز له المعصية والشر، وهذا هو أساس ضلال الكثير من الفتاوى هذه الأيام، فإنهم يأخذون أحكام الضرورات ويستخدمونها للتحسينات والشهوات.
الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، والعامل فيه قائم في الذروة من الفضائل فلذلك هو أفضل أهل الإيمان، والجهاد بالنسبة لهذا الفاضل هو عمل حياته الذي رضيه لنفسه، فيه يقضي أوقاته، وفيه باب رزقه ومعيشته، وهذا هو الذي رضيه الله تعالى لأعظم البشر بعد الأنبياء وهم أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ كان الجهاد هو عمل حياتهم ولم ينتفعوا في حياتهم من مال ونعيم كما انتفعوا من حياة الجهاد ولذلك سمى الله الجهاد"حياة"كما قال تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) .
والجهاد درجات أعظمها أن يجاهد المرء بنفسه وماله، فإن خرج بنفسه ومال غيره فحسن لكن دون الأول في الدرجة، وإن بذل ماله دون نفسه كان كذلك، وأولى الدرجات وهو أن يخرج بنفسه وماله فلا يعود بشيء من الغنيمة فإن أصابته الشهادة فهي منزلة المنازل وأعظمها وأجلها، والله يؤتي فضله من يشاء.
قوله: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) فإن المؤمن الذي لا يقدر على الجهاد وما كان في معناه من طلب العلم ونشره والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أفضل ما يعمله هو الاعتزال بعيدًا عن أذى الناس وإيذائهم، فالعزلة خيار إيماني أضاعه الناس اليوم من أذهانهم، وغيابه من خيارات الأعمال جرّ على الناس الكثير من الباطل والإثم. والعزلة لها أحكامها العامة، فهي خيار لمن لم يقدر على العمل سواء من جهة نفسه أو جهة واقعة، فإن الأفضل هو العمل لقوله صلى الله عليه وسلم: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) ، ولكن مما خلق الله من البشر أن يكون ضيق النفس إن رأى الشر يعظ في الابتداء ثم تضجر نفسه فيتحول وعظه إلى تبكيت وقسوة فهذا في قلبه النكارة والكره فهذا يخاف على دينه وإيمانه، كما يُخاف عليه أن يقع فيما وقعوا فيه فهذا هروبه من الناس خير له وأسلم بل قد يكون بالإعراض والعظة والتنبيه، وكما قال تعالى: (وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزؤ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنّكم إذًا مثلهم) ، والذي يُعرف عن السابقين هو اعتزال الناس عمومًا في آخر العمر وتفرغهم للعبادة كما ذكر أهل المدينة من تفرغ للعبادة بعد الأربعين إلا من كان متكلفًا عملًا من أعمال المسلمين الواجب أداءها.
وأما الاعتزال بسبب الواقع والحال فإن الشر قد يعم ويمنع الخير ويحارب وتصم الآذان عن السماع والاهتداء فإن سنة الأنبياء هو الهجرة كما وقع لإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام ومعه لوط الذي آمن معه، وفي الحديث أنّه ما من نبي إلا وقد أخرجه قومه كما قال ورقة بن نوفل عندما علم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما عُرض عليه من قِبَل خديجة رضي الله عنها.