وأساس الكفر نسبة النعم لغير الله تعالى كما قال الله عن المشركين: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي) ومعنى قولهم: أي أني مستحق لهذه النعم، كما قال قارون: (إنما أوتيته على علم عندي) أي أتتني هذه النعم لما عندي من أسبابها التي تستحقها، وأساس التوحيد هو رؤية المنعم الحقيقي لكل ما يقع على الإنسان من خير وفضل، ولذلك جاءت الآيات والأحاديث تبين النعم الإلهية، مذكرة بها لينسب الإحسان لأهله، والقرآن أغلبه على هذا الباب في بيان حق التوحيد على العبيد كقوله: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ... أفرأيتم ماتحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ... أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ... أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون) وكقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدًا وسلك لكم فيها سبلًا لعلكم تهتدون، والذي أنزل من السماء ماءً بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون، والذي خلق الأزاج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) .
وتذكُّر النعم وحمْد الله تعالى عليها سببٌ لزيادتها والبركة فيها كما قال تعالى: (ولئن شكرتم لأزيدنّكم) بل إن أعظم ما يَسأل به الإنسان العابد ربه هو أن يحمده ويشكره كما قال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء
فبالشكر تدوم النعم وتزيد، وإّن أعظم شكِرك لله أن تبذلَ له ما أنعم به عليك من نفسٍ ومالٍ وولدٍ.