عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ وهل تدري حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا) .
هذا الحديث يحوي فقهًا عظيمًا للقلوب الواعية، فإنه يبين علة الوجود وأسَّ قيمته، فمن وعاها فقد أفلح وأنجح وإلا فهو من حطيم جهنم -أعاذنا الله تعالى برحمته منها- ويبين بإشارته ما للمشرك من حق إن عمل صالحًا ليعلم أهل الإيمان قيمة هؤلاء الذين يموتون على عمل صالح من غير إسلام كالذين يقاتلون من أجل أرض وغيرها وهم على عملٍ شركيٍّ وكفريٍّ:
يكفي هذا الحديث بيان المقابلة بين ما هو حق على الإنسان أن يؤديه بمنْطوقه، والعقوبة التي يستحقها إن فرَّط في أدائه بمفهومه، فإن الحق الواجب عليه أداءُه هو عبادة الله تعالى وحده وترك الشرك به، إذ العبادة حق خالص له دون ما سواه والتوحيد شرط لقبولها وهو أجلُّ العبادات وأعلاها، فالعبد لا يأتي بعمل أعظم من التوحيد ويشهد لذلك حديث البطاقة والذي في آخره: (فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) [قال الترمذي: حسن غريب] . فمن أتى بالتوحيد فقد حقق العبادة وحقه على الله ألا يعذبه، ومن ترك التوحيد فقد ضيع أعظم الحقوق وأجلها فاستحق العذاب، فليس للعبد من حق على الله سوى هذا، أما ما يحصل من فضل إيجابي على ترك العذاب بتحقيق التوحيد فهو من باب الفضل الإلهي لا من باب المقابلة ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله) فإن دخول الجنة ليس مقابلة للعمل الصالح توجب الأداء وأما قوله سبحانه وتعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) وقوله: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) وقوله: (إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعملون) وقوله: (كلوا واشربوا هنيئًا بما كنتم تعملون) وما في معنى هذه الآيات التي تبين أن دخول الجنة معلق بالعمل فإن هذا من باب ذكر السبب، إذ لا يقع شيء في هذه الدنيا ولا في الآخرة إلا بسبب، ودخول الجنة لا يكون إلا بسبب، والسبب هو عبادة الله تعالى وحده، والجنة محرمة على المشركين، والحديث لا حجة لأحد فيه من المبتدعين الذين يجوزون على الله تعذيب المطيع ومكافأة العاصي إذ أن عدل الله وقدوسيته يأبيان هذا القول الشنيع الذي يجلُّ عنه حكماء البشر وفضلاؤهم. فإن قيل ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن الله جل ثناؤه عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم) فهذا محمول على تقصير العباد لا في الشكر، فإن نعم الله تعالى توجب الشكر، ومهما شكر العبد فشكره قاصر عن أداء الواجب مقابلة، فالمطالبة متعينة في الذمة وإن كانت لرحمة الله لا تحصل، ولو حصلت لاستحق العبد الجزاء والعذاب للتقصير والتفريط فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لو عذبهم عذبهم وهو غير ظالم لهم) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أن يعبدوه ولايشركوا به شيئًا) فيه بيان شرط التوحيد قبل العمل وأثنائه، فإنه لا يقبل الله من عمل عملًا إلا إن كان موحدًا، ولا يقبل منه إلا أن أراده بهذا العمل وحده دون سواه، فالتوحيد أساس ولا بناء بلا أساس، وقصْد الله بهذا العمل شرط لطلب جزائه منه، ولو سأل سائل: فما هو جزاء المشرك على أعماله الصالحة؟ فالجواب: إن الكافر قد يقصد وجه الله بعمله مع شركه وكفره كما قال تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) وغيرها من الآيات التي تبين إخلاص الكافر في دعاءه عند حاجته وإضطراره، وهذا يبين أن المشرك قد يعمل عملًا صالحا بشرطيه -التوحيد والإخلاص- مع شركه في أبواب أخرى، وقد يقصد الكافر بعمله الصالح غير وجه الله كمن تصدق وأراد الشهرة والصيت الحسن فحينئذ يكون الأمر كالتالي: