عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء) .
شتان من يأتيك جائعًا متلهفًا، وبين من يأتيك مستملحًا بطرًا، وشتان من يأتيك ليضع الطعام على الطعام ومن يأتيك مع فراغ الإناء، فشرط الإنتفاع كما قالوا فراغ المحل، وقد كثر في زماننا البطرون، لهم أرجل كلت من المشي للتذوق فقط، كلما سمعوا دعوة لوليمة قالوا هيا لنذوق ولنشم، ثم نضحك ونستهزئ، ونمد أرجلنا لا أيدينا في الصُّحف، فطالت ألسنتهم من كثرة التذوق مرضًا، وماتت حواسهم من كثرة الإستهزاء، ولم يبق من"رمتهم"سوى عفن الكلمات وأحكام السوء وإتقان البصق في كل الصحون، لا يقوم لأهل الحق روق إلا وطافوا يبحثون عن"الكنف"فيه، تغشى أعينهم عن كل الجواهر، وتمرض أنوفهم من الطيب، فيفرون إلى تحت الآباط وجيوب الثنايا ليعيشوا هناك ثم لا يرون إلا"الرزايا".
في كل وليمة للدين يأتون إلى أطرافها مستملحين وهم يقولون:"هذه كتلك، وسترون النتيجة، اجلسوا قليلًا فلن ترون بعد كل هذا إلا الخراب"ونسي هؤلاء المتخمون بالقذرة أن تلك سنة لله في كل وليمة، إذ تقوم وتمتد كالسوق فيجني منها الخباة مطالبهم، فهذا شهيد، وهذا متصدق، وهذا بائع لنفسه ينتظر، ثم ينفض السامر فيرجع الناس إلى منازلهم كل يحمل ما التقط ولا يبقى وراءها إلا المخلفات والفتن واللواقط الرخيصة، فهذه"سوق المدينة"في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفتها وهو يقول: (هل ترون ما أرى؟ قالو: لا، قال: فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر) ، وهل في تاريخ العالم قط بناء لم يصر إلى زوال؟، وهل في تاريخ الحق قط أن لم يخلف بعده شر وفتن؟، لكن هؤلاء القوم لا يفقهون.
لقد طاف سلمان الفارسي رضي الله عنه ظامئًا جائعًا باحثًا عن الحق، وتقلب على موائد كثيرة حتى هداه الله تعالى إلى مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفعت به همته حتى صار (سلمان منّا آل البيت) ، وناس كانت المائدة تنصب أمام أعينهم بل تطرق عليهم بيوتهم فيصدونها ويركلونها بأرجلهم، فذاك الفقير المحتاج وهذا المستغني الممتلئ بالهواء كذبًا، وستبقى هذه السنة جارية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وإن كانت في أيامنا هذه أجلى وأوضح، إذ ظن البعض أن كثرة التجارب التي يسمونها جهلًا"إخفاقات"وهي في الحقيقة أسواق ربانية عظيمة، كانت فيها الأجور والحسنات، وكان فيها العلم والتجربة والحكمة والموعظة، مات من مات فيها شهيدًا محتسبًا، وصبر فيها من صبر مبتلى ثابتًا، وقطف من أفنان حكمتها من تقلب في دروبها وشعبها، ظن هؤلاء أن هذه التجارب إنما هي دليل على أن العقود أولى، وأن"السب"منذ البداية هي النجاة، فالقضية محسومة لما يقولون، وبعض هؤلاء ربما مر يومًا على سوق من جنباته أو حوافه فجلس بعد ذلك مجلس"الحكيم"يعظ على كل صعيد وكل وليمة ربانية: أقول لكم ... قلت لكم ... سترون قريبًا ... لقد جربنا قبلكم ... حشاء ممقوت من بطن متخم بالجهل. ثم ... يدعون إلى ولائم"النقد"ليتحدثوا حديث"الحكماء"و"الحنكة"ويدعى لتلك"الولائم"الهالكون في جب الكلمات ليتذوقوا ويتحدثوا ويسمروا على موائد الغيبة والنميمة، والولائم الربانية تشتعل بوقود الفقراء، وتوقد بحبات قلوب أحبت الجنة والحور العين، (و كأيّن من نبيّ قاتل معه ربيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) . فسبحان ربي كيف قسم بين العباد؟
القيادة لا تعجبهم فقالوا: لولا (أنزل على رجل من القريتين عظيم) فهذا رجل (مهين ولا يكاد يبين) و (نحن أحقّ بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال) والفقراء يقولون: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
قالوا: من هؤلاء؟"فقراء"فلو كان خيرًا ما سبقونا إليه، يُضحك عليهم بذكر الجنة والنار، والرغبة بالحور العين، ولكن أهل النظر والفكر والتجارب المحبطة والفقراء يقولون: (إنّما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون) .