عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل النّبي صلى الله عليه وسلَم: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: (ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صدقة ولكنّي أحبّ الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت) قال أنس:"فما فرحنا بشيء فَرحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت) فأنا أحبّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبّي لهم وإن لم أعمل بمثل عملهم)."
الحياة الدنيا لها عنوان جامع لحركة الموجودات فيها، هذا العنوان هو"الحب"، وهو المعنى السائر في هذا الكون وفي الإنسان، ومن خلاله تحصل الإرادات وبالتالي تتم الأفعال والأقوال، وهذا شيء يعرفه الناس بمعمومهم حين يدركون أسرار الوجود، ولكن من عظمة هذا الدين أن يجعل الحياة الآخرة كذلك، فهي حياة قائمة على الحب كذلك و"الحب"هذا المعنى اللطيف الآسر، فيملك قوة التأثير مع خفائه، وموطنه القلب الباطن، وآثاره على الوجود المشهود، ففي الإنسان يظهر على وجهه وقسماته، وعلى أقواله وحركاته ونومه وقيامه، والوجود كله لا يكتسب جمالًا ونضرة إلا بالحب، فحياة الوجود من حركة وإرادة تنشأ بالحب، وجمال الوجود ونضارته لا يكون إلا بالحب، والعبودية لا تنشأ إلا بالحب، وكذا المتابعة، والأسرة لا يستقيم أمرها إلا بالحب سواء بين الزوج والزوجة أو بين الآباء والأبناء، وكذا المجتمع الحي لا يستقيم إلا بهذا المعنى اللطيف الجميل والعظيم كذلك.
إن البشرية معرضة أن تتحول إلى وحوش ينهش بعضها بعضًا، وإلى مصالح جافة لا فضل فيها للمعاني الباطنة، وبالتالي تنشأ الشرور والبغضاء والحروب النجسة والمنافسة البغيضة.
إن هذا الدين دين الجمال والمعاني اللطيفة السامية، دين ينُشئ علاقة حب وجمال بين الإنسان والمخلوقات من غيره مهما بدت جامدة لا حياة فيها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن جبل أحد: (يحبنا ونحبه) ، فالجبلُ يُحِبّ ويُحَبَُ والمدينة المنورة مدينة حب لقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا أو أشد) ، ولذلك إذا مات الكافر (فما بكت عليهم السماء والأرض) أي أنهما يبكيان على المؤمن لعلاقة الحب بينهما، وأخبار الحب بين الصحابة ودوابهم وشجرهم كثيرة جدًا، وأما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عجب من الأعاجيب فها هو يخرج ويكشف عن كتفه الشريفة ليتعرض إلى المطر ويقول: (إنه حديث عهد بربّه) ، إنه بصر الباطن في الأشياء والموجودات ورؤية أسرارها الخفية الجميلة، وعلاقتها بأعظم محبوب وأجمل موجود، إنه الوحيد الذي يُحَب لذاته: إنه الله تعالى. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل: من أحب الناس إليك؟ فيقول: (عائشة) . فهي حبيبته وهو حبيبها ولا خجل في هذا المجتمع من هذا الحب الرائع العظيم، يحبّها حتى إنه ليضع فمه على مكان شربها من الإناء ليمس بفمه الشريف مكان فمها الطيب الجميل، فأين هذا من مجتمعات القسوة التي يخجل المرء من إعلان حبه لمحبوبته وزوجته ثمّ يُسأل عن أحب الرجال إليه فيقول: (أبو بكر) ، فالرجل يحب الرجل، ومن الدين أن يخبر المر أخاه أنه يحبه، ولقد كان من محبته للأطفال أن يمر بهم ويسلم عليهم، ويوطئ كتفه الشريف إن أرادوا لعبًا أو لهوًا يليق بهم، فهو ينحني ليركب أبناؤه -الحسن والحسين رضي الله عنهما ولعن الله من أبغضهما وقتل الحسين- هما يركبان على ظهره الشريف وبحب رائع جميل، وكان يحب البنات فكان يبش لرؤية حبيبته فاطمة ويوسع لها ويفرش لها رداءه، واسمع إلى حديث الحب مع بنت تلهو بختم النبوة على ظهره: فعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعليّ قميص أصفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سَنَه سَنَه) وهي بالحبشيّة ومعناها"حسنة حسنة"، فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزجرني أبي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعها) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلِقي) فليس هناك شيء مقدس عن لمس الطفل يمنع منه، بل كان الطفل يبول في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وما أمْرُه بالرش من بول الطفل والغسل من بول الجارية إلا إشارة أن لا يمنعكم بولُهم من حملهم واللعب معهم فعلًا من أفعال الحب اللائقة بين الناس.