عن أسماء رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المتشبّع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور) .
أجمل الكلمات ما دلت على الحقائق، وروعة البيان في كونه إبانة عن صدق الحال وإلا فهو لغو وباطل، وإن آلاف الكلمات لا تشبع جائعًا ولا تستر عاريًا ولا تنصر مقاتلًا، والفساد ليس في وجود الشيء لكن قد يكون في العبارة المعبرة عنه، حينها يكون الوهم والكذب، ورحلة العاملين لدين الله تعالى هي رحلة إكمال أي رحلة الصدق والحقائق.
الشعارات والعناوين لا تحقق النصر ولا تدخل الجنان، فلو أن المشرك سمى نفسه موحدًا وانتسب إلى إمام الموحدين إبراهيم ما كان ليدخل الجنة إلا بالحقيقة التي معه (و حصّل ما في الصّدور) ، وإذا كان أمر الآخرة هو أمر الرحمة التي هي أوسع وأرحب من العدل فإن الدنيا هي جار السنن التي قوامها العدل، وهي لا تحابي أحدًا (و لن تجد لسنّة الله تحويلًا) فإن ميزانها هو ميزان الحقائق، أي الوجود، فمن غير صخر لا تبنى البيوت، ومن غير رشد لا تدوم الجماعات، والذين يبحثون عن شعار جميل أو إعلام مبهرج دون اهتمام بالحقائق سرعان ما ينكشف الغبار ويظهر المستور.
(ثوب الزور) وثوب آخر هو أخوه، واحد يكذب به على الناس ويوهمهم بالحيلة اللفظية، وآخر يرتد على نفسه لأنه"متشبّع"فيتجشّأ من غير طعام إنما هو الهواء ولا شيء بعده، فهذان الثوبان المصنوعان من الكلمات، ومن الكلمات فقط ماذا عساهما أن يحققان من ستر العورات أو دفع البرد والمهلكات؟! وماذا لو صار عتاد المجتمع وقوامه هو الكلمات، يقتاتون بها ويتحاربون بها وعليها، وينامون على أنغامها ووسائدها، فهل لهذا المجتمع دوام أو تقدم؟!
جماعات الحق عمادها الصدق الذي به تحقق صدق انتمائها لدين الله، وبه تحقق احترامها لنفسها واحترام الآخرين لها، حينها يصبح لكلماتها قوة الحقائق، فالصدق لا مساومة فيه، فلا يجوز الكذب بحال على الأمة ولا على الإخوان وهذا ركن الحياة والشهادة على الخلق.
(ثوب الزور) يصنع الوهم الخادع في المرء فيجلس على جذع شجرة حطمة ويظن نفسه أنه يمتطي جوادًا سابقًا، فيطلق صرخات المقاتل والتهديد، ويضع الخطط والمقررات دون وجود عمد المقدمات لها، وهو لا يقوى على نفخة هواء من خصم يتعامل مع سنن الحياة وحقائقها، ولذلك من واجبات أي جماعة وحركة أن تعي واقعها، وأن تعرف حلقتها التاريخية، إذ الوعي على موطن رجلك في دورة التاريخ شرط تحقيق النصر الملائم للمرحلة، فالتاريخ حلقات، حلقة من حلقات الصعود أو الثبات أو الهبوط، ففي الصعود تحافظ على الاندفاع، وفي الثبات تحافظ على التوازن، وفي الهبوط تمنع الإنهيار، فمن الجهل الفاضح أن يتكلم أحد عن الفتوح -الجهاد الهجومي- وهو في حلقة إيقاف الهبوط والإنهيار، وتحقيق المطلوب من أي مرحلة هو النصر، فخالد بن الوليد رضي الله عنه في مؤتة حين انحاز بأصحابه محافظًا عليهم من الفناء إنما حقق النصر الملائم لواقعه، ولم يحققه إلا لوعيه على حلقته التاريخية حينئذ، وهذه هي لغة الحقائق لا"لغة الزور"، وهي التي تنفع حتى لو كانت مؤلمة وصعبة على النفوس وآمالها.
مع رحلة الجهاد والدعوة لنحذر من الشعارات الكبيرة فهي"أعلام زور"لا تثبت أمام الرياح والعواصف وتصبح أحمالًا ثقيلة على كاهل الجماعة والأمة، تعاني منها أكثر من معاناتها لأعدائها، لأن مطالبها كبيرة لأقوام يقابلها ويعادلها.
ومع هذه الرحلة لنحذر من الإنتفاخ الكاذب، إذ حاله حال"الحمل الكاذب"وهو عين"التشبع"، وهو انتفاخ ورمي عماده المرض والرهق لا الصحة والقوة.
مع هذه الرحلة حجر صغير خير من صراخ عال، وخيط عنكبوت خير من"ثوب زور".
ليأتي الناس إلينا وقد عرفوا ما لهم وما عليهم، وقد وعوا ما سيلاقونه وما سيقدمونه، فلا مخبآت مكتومة، ولا مفاجآت في طريق العمل والشهادة على الخلق، لأنه طريق معبّد مرسوم قوامه الصدق والأمانة.