فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 98

عن أبي الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكره مثل الحي والميّت) .

لأنها رحلة الأرواح، فهي رحلة الأحاسيس والمشاعر، رحلة الدمعة الخائفة تتبعها الدمعة الراجية، فيها تبصر النفس تاريخها السائر من عالم الذر حين خاطبها الملك العظيم: (ألست بربّكم) فقالت: بلى، فحملت الأمانة ثقيلة عظيمة، وتدفقت مواكب النور يقودها الأنبياء ويحطوها الحواريون، وللركب هزيج هو غناء الوجود الواكب للقافلة، سموات وأرضين وجبال وشجر ودواب ونجوم وأفلاك وبحار كلها تردد تسبيح الملك العظيم فوق العرش وتحمده:

اللهم لك الحمد أنت قيّام السّموات والأرض ومن فيهنّ.

ولك الحمد أنت نور السّموات والأرض ومن فيهنّ.

ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهنّ.

ولك الحمد أنت ربّ السّموات والأرض ومن فيهنّ.

هذه رحلة القوافل الهزجة التي يباهي بها الملك ملائكته، هؤلاء أوليائي وأحبابي وعبيدي، إنها قوافل الأرواح الطاهرة الطيبة، تستعين على ثقل الأمانة بالكنوز الآتية من تحت العرش (لا حول ولا قوة إلا بالله) وتقوى أرواحهم بالباقيات الصالحات قوتًا وغذاءً: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ، فتنشأ علاقة الحب حيث يلهج الحبيب بذكر حبيبه (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فتنشط الأرواح المتعبة وتقتحم العقبة وراء العقبة لتبلغ المراد.

في الأرض جيف، خشب مسندة، فيها جمال الصور، ولها صراخ وهملجة، تملأ جنبات محيطهم الحقير، لهم نتن الرحم العفنة، مقيمون على أدنى من جناح بعوضة، من أجلها يموتون، ويتنافسون على غبارها، ويتباهون كالكلاب على العظام ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا (و منهم من يستمعون إليك، أفأنت تسمع الصّمّ ولو كانوا لا يعقلون، ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العميَ ولو كانوا لا يبصرون) .

وتتكرر العبرة إذ يخرج (على قومه في زينته) فيفعل سحر البريق الكاذب أثره على الجهلة فيصرخون: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنّه لذو حظّ عظيم) فيعظ العالمون بالحقائق: (قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا ولا يلقّاها إلا الصّابرون) .

تلك محنة البصيرة الحية بذكر الله أمام الجموع التائهة ببهرج العاجلة.

ويمضي ركب الحياة والأرواح مبكرة على كل صعد، مسبحًا في كل واد، تشهد له ذرات الأرض والهواء والشجر والدواب، وتصلي عليه وتستغفر له ملائكة الأرض والسماء.

هذه هي الحياة، حياة في الأنفاس والأرواح، والباقي"ملعون مطرود"فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا.

•• (الباقيات الصّالحات خير من الدّنيا وما فيها) .

•• (ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها) .

•• (كل سجدة لعابد ترفعه درجة) .

هذه هي الحقائق والكنوز، يطويها العاقلون في سر، فتحيي أرواحهم، لأن الأشياء ليس بوجودها فقط لكن بقيامها على مقصد وجودها، وأعظم المقاصد هو عبادة هو عبادة الله الجليل، حينها تكون فيها الأرواح، فذكر الله تعالى هو روح هذا الوجود، وحين تنتهي من ألسنة الخلق كلمة التوحيد تقوم الساعة وينتهي الوجود، إذ تقوم الساعة وليس على الأرض رجل يقول: الله. حينها لا تبقى إلا الجيف النتنة، وقود جهنم.

في ركب الدعاة والمجاهدين والعلماء والعبّاد وتركوا الحياة فإن (مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون) .

معهم تطمئن القلوب: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) .

معهم كل الصفقات رابحة، إن مسهم خير شكروا وإن مسهم ضر صبروا، فكل أمرهم لهم خير معهم إن قتلت فرحمة وإن مت فرحمة: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متّم لمغفرة من الله ورحمة خير ممّا يجمعون) .

معهم صحبة الملائكة، فما من قوم جلسوا يذكرون الله إلا حفّتهم الملائكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت