فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 98

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحيًا أوصاه الله إليّ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) .

كان من حجج الكافرين على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أجل تصديقه واتباعه أن يأتيهم بآية كونية كما أرسل مع النبيين السابقين، وقد ذكر الله تعالى هذا الأمر كثيرًا في القرآن مما يسترعي الانتباه فقد ذكره في سورة الأنعام ويونس وطه والأنبياء وأشار إلى ذلك في مواطن أخرى كما في الأعراف والنحل والقصص، ومما ذكره الله تعالى في هذه المواطن أن هذه الآيات لم تكن سببًا لإيمانهم وتصديقهم، بل كان إرسالها سببًا في تعجيل العذاب كما قال تعالى في سورة الإسراء: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون) وقال في الأنبياء: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون) وقال في القصص: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى، أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل، قالوا سحران تظاهرا وإنا بكل كافرون) ولم يقع خلاف ذلك إلا مع قوم يونس عليه السلام كما قال تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم، فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) ، والقرآن كشف بهذا كذب هذه الحجج وتعنّت طالبيها، وأن مرادهم هو المجادلة بالباطل والتعجيز، ولذلك توقفت هذه الآيات الكونية ولم تعد هي السبيل للحجة مع الحق، فقال تعالى في سورة طه: (و قالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) والآية تحتمل معنيين، أولاهما: أن الذكر في القرآن هي ما جاءت به الصحف الأولى فدل هذا على صدق القرآن ويشهد لهذا المعنى ما قال الله تعالى في سورة الأنبياء من قوله: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون) إلى قوله: (لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون) ، والثاني: أن ما جاء من الآيات الكونية في الصحف الأولى وأنه لم يحقق الإيمان في قلوبهم كاف أن لا يرسلها الله مرة أخرى، وفي سورة القصص قال تعالى: (و لقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) وهو يشهد لهذا المعنى، وهذه الآية في سورة القصص تبين أن إهلاك أمة كاملة بسبب تعنتها قد توقف، وإن كان إهلاك القرى بإزالة قوتها وعلوها لم يتوقف كما قال تعالى في سورة الإسراء: (و إن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابًا شديدًا كان ذلك في الكتاب مسطورا) ، والمقصود أن الآيات الكونية الكبرى للشهادة على صدق الأنبياء والتى يتعلق بها الدمار إن كفروا بها ولم يصدقوها قد توقف، وكل من طلبها فهو متعنت كشف الله كذب سلفه قال تعالى: (و قال الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بيّنّا الآيات لقوم يوقنون، إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) ، والحجة الكبرى التي جعلها الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهي حجة الدعاة والمجاهدين والعلماء إنما هي كتاب الله تعالى وما فيه من الآيات لا غير، فمن سأل دليلًا آخر على صدق أيّ مسألة فهو متعنت مجادل بالباطل لا غير، والقرآن هو الحجة وهو الهداية، وقد ربط الصحابة هداية رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أخذه بالكتاب فقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة البيعة كما في الصحيح:"أما بعد فاختار الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا، ولما هدى الله به رسوله". هذا الحديث يدل على أن الله أعطى كل نبي آية وفيها الكفاية لإثبات صدق النبوة، وفي المعجزات الباهرة والتى لا يقدر على مثلها البشر، وفيها البصيرة التامة كما قال موسى عليه السلام لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر) والضمير يعود إلى الآية السابقة وهي قوله: (و لقد آتينا موسى تسع آيات بينات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت