عن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمن كالخامة من الزّرع، تفيئها الرّيح مرّة، وتعدلها مرّة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرّة واحدة) .
رياح عاتية ووحوش ضارية وجيوش كمد القاموس قد أتت وذهبت وبادت و"خامة الزرع"الصغيرة باقية، فما أعجب روح الإيمان وعصارة الحق، وما أضعف رياح الباطل والغرور.
"خامة صغير عطرة"لينة بخضرتها، قوية بثباتها، تدخلها العين وتطمع بها النفوس الشبعة وتستصغرها الأنظار البهيمية، فتأتيها"الرياح""لكنها هواء"لتحطيمها وغيظها وتدميرها، فتميل هذه"الخامة اللينة"، تميل كما قال تعالى: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخراكم فأثابكم غمًّا بغمّ لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون) .
تميل هذه الخامة"الخضرة القطرة اللينة"ليقول الله لها: (إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين النّاس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتّخذ منكم شهداء، والله لا يحبّ الظّالمين، وليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصّابرين) .
تميل هذه"الخامة الصغيرة اللينة":
1.لأنها سنة الله في تداول الخلق، فالسنة فيها أن تميل هي، والسنة في غيرها أن تنجعف مرة واحدة.
2.لابدّ من اختبار عصارة الفروع وروحها وجوفها، فالغصن ليس بطوله ولا بغلظه لكن بروح الخضرة فيه التي تعطيه القوة والليونة، فتسقط الفروع النخرة في فتنة الإبتلاء وتبقى الفروع الأصلية.
3.ثم إن بعض الثمر قد طاب للأكل ونضج، فلابد من أن يأوي إلى الجرين (ليتّخذ منكم شهداء) .
وتمضي السنة مرة بعد مرة، قرون تأتي فتخرق في الجوانب ويتفجر الدم والألم، ويبدأ التطبب والإحياء وإعادة الروح والبناء، سنة لا تأبه لجاهل يصرخ إذ يرى هذا الأمل عذابًا بسبب استعداء هذه الخامة التي ذنبها أن ريحها طيب في أرض (و أكثرهم الفاسقون) . فيصرخ الجاهل: هلا كنا كغيرنا؟! وهلا غيرت هذه"الخامة"من منهجها لعلنا نرتاح كما ارتاحت بقية الأمم؟!
مالنا نحن فقط نعيش محنة وراء محنة، وابتلاءً وراء ابتلاء؟ أين علة هذه القضية؟
قالوا: العلة في روح استعلاء هذه"الخامة الصغيرة"، فهي تتيه أن جذورها تمتد إلى كل الأنبياء وروحها من روح الله، وعصارتها من"صنع الله"، فهلا توقفت هذه"الخامة"عن هذا"الاستعداء"وصارت أرضية ككل شجر الأرض؟!
ثم ألا تخجل هذه"النبتة"من كل هذا"الادّعاء"وهي صغيرة مهينة داستها كل الأرجل، والنبتة تردد بحياء عميق (و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) .
قالوا: أنظروا إلى شجر الأرض، عاليًا، مرتفعًا، صلبًا، آمنًا، سعيدًا، يعيش النعيم من كل الجوانب، وكل قبحة الظاهرين قد ستر بأجمل الألبسة وبأروع الأصباغ، و"خامة الطيب الصغيرة"تمضي على وسعها وقدرتها، وعيونها إلى جنة الرضوان.
قدر هذه النبتة أن تكون"فلسطين"مأوى أفئدة كل ما بقي من حق في أديان السماء السابقة، والأرض المباركة في القرآن، وقدرها أن تكون على مرمى القلب من كل الفرق، تهب عليها الرياح مرة بعد مرة وفتنة ترمق سابقتها حتى ينزل عيسى عليه السلام، والمنافقون يقولون: بركة موهومة، وشرف مدّعى، ولقمة سائغة مع كأس مهانة خير من كل هذه الأرض.
قدر هذه النبتة أن تستر عرضها وشرفها وقيمها بعصارة أبنائها وروح مهجتها، والمنافقون يقولون: لا شرف إلا نوم هانئ وجيب مليء وروح صاحب ينسى المرء فيه نفسه.
قدر هذه النبتة أن يبارك الله في أرضها، لبنًا لكل جوف، وعسلًا لكل مشته، وراحة لكل راغب، فينقمون على أهلها أنهم رعاة إبل، والنساء جوهر مستور، والعيون دومًا تراقب الشمس، والمنافقون يقولون: سينبع كل شيء في سوق النجاسة رجاء إرضاء الرياح والوحوش.
ستذهب كل هذه الأوساخ، وستأوي إلى مستقرها من الخزي والعار والعاقبة لهذه"الخامة العطرة اللينة الطيبة"وأما رياح الكفر فليست أمريكا في زماننا بأشد من التتار في زمانهم، وليس"صليب اليوم"بأصلب من"صليبهم"في الأمس، وكل ذلك قد ذهب، والعاقبة للتقوى.
(أكفّاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزّبر) .