عن أسماء رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك) .
حركة الغيب مع عالم الشهادة ظلّ له، تسير حيث سار وتقف حيث تقف، وعالم الشهادة مستور بستار السنن الكونية، يقف عندها بعض الخلق دون بصيرة النظر إلى أثر حركاتهم على هذا الكون، ومن أجل خرق هذا الستار نظرًا وبصيرة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننظر دائمًا إلى (فمن أعدي الأول؟!) فحين قال لهم: (لا عدوى) سألوا مستبصرين كما يروه من سنن جارية هي خلق الله فيهم فقالوا: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخلطها البعير الأجرب فيجربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن أعدي الأول؟!) ، ذلك لأن الواقف على السنن دون النظر إلى يد الله تعالى وسنته في إجراء الأقدار وتعلق ذلك بما يحبه لله تعالى من أفعال الخلق وما يبغضه إنما هو قارئ للكتاب من منتصفه أو بادئ بالعد من غير الأول، والمؤمن هو الذي يعلم أن الله هو الأول سبحانه وتعالى فكل شيء منه جلّ في علاه والذين يفقهون على سنن الحوادث الظاهرة دون النظر إلى يد الله وعالم الغيب هؤلاء لا يعلمون إلا (ظاهرًا في الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة غافلون) كما قال تعالى في سورة الروم، وقد قال سبحانه وتعالى بعد هذه الآية ما ينبه إلى يد الله وحكمته في خلقه فقال: (أولم يتفكّروا في أنفسهم ما خلق الله السّموات والأرض وما بينهما إلاّ بالحق وأجل مسمّى(أي بسنن حكيمة قائمة على العدل، وإلى آماد ونهايات لها تعلق بهذا العدل) وإنّ كثيرًا من النّاس بلقاء ربّهم لكافرون (بغفلتهم عن سنة العاقبة والنهاية لكل شيء) ، أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانو أشدّ منهم قوّة وأثاروا الأرض وعمروها (ظانين أن هذا يحقق لهم الخلود ويمنع عنهم جريان السنن الإلهية إذ لا تعلق للإهلاك عندهم بما يحب الله ويبغض) وجاءتهم رسلهم بالبيّنات (بالتوحيد والشرائع) فما كان الله ليظلمهم (إذ أعطاهم ما أرادوا من سعيهم من قوة وعمارة واكتشاف) ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (بترك التوحيد والشرائع حيث حق عليهم الهلاك) ، ثم كان عاقبة الّذين أساؤوا السّوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون، الله يبدؤ الخلق ثم يعيد ثم إليه ترجعون) فهي يد الله سبحانه وهو الآخر، وكل شيء له تعلق بما يحبه ويبغضه وستبقى سنن التقلب والنهايات قائمة. وحديث العدوى ليس إنكارًا لسنة سريان المرض في الخلق بفعل المخالطة فهذا القول وإن قال به بعض السابقين إلا أنه لو قال به واحد اليوم لقيل له: هل تقبل أن تتزوج امرأة مريضة بالسيدا (مرض الإيدز: نقص المناعة) ؟ أو هل تقبل أن تزوج عرضك لواحد مصاب به، حينها ستعرف جواب قلبه وعقله لا مناكفة لسانه.
والقصد أن يعلم الخلق أن المرء يستطيع أن يعلم حركة الغيب لما يجري على الأرض من أعمال وأخلاق، فإن كان في الأرض هداية فإن حركة الغيب هي امداد هذه الهداية كما قال تعالى: (و الّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) والله قال: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنّم يصلاها مذمومًا مدحورًا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا، كلًا عند هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك، وما كان عطاء ربّك محظورًا) .