فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 98

وفي الغيب حركة يرصدها أهل الإيمان وهي محط نظرهم، وأعظمها ما يقع في نفس الرحمن من فرح وحب ورضا أو غضب وسخط وبغض، وإذا أردت أن تعرف نفس الله تجاهك فانظر إلى ما في نفسك وقلبك عن الله، هل تحبه؟ هل أصبحت تطلب رضاه؟ هل أنت راض عنه؟ هل ظنك فيه حسن؟ هل تراعي أمره وتنفي معصيته؟ فالله يحب من يحبه ويرضى عمن رضي عنه، وهو عند حسن ظن عبده به وهكذا هي هذه القضية العظيمة، فالعطاء يقابل بمثله وكذلك المنع، والإحصاء يقابل بمثله وكذلك البسط، وما من فعل في هذه الدنيا إلا ويقابله حركة في عالم الغيب تكون آثارها في الدنيا والآخرة، وفي قوله تعالى عن بيعة الصحابة رضي الله عنهم للنبي: (يد الله فوق أيديهم) ، وعن الصدقة أنها تقع في يد الله تعالى قبل يد الفقير، وعن نهيق الحمار أنه رأى شيطانًا وعن صياح الديَكة أنها رأت ملكًا، وهكذا يموج عالم الغيب بحركة الملائكة -يستغفرون للذين آمنوا- ويحضرون حلقات الذكر، و (ثبّتوا الّذين آمنوا) و (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان) والله ينادي (إنّي أحبّ فلان فأحبّوه) وتموج الأرض بهذه الحركة نموًا (فينفخ فيه الملك) وإيجادًا لشيء لم يكن وبركة لموجود ضعيف ومَحْقًا لمغرور متكبر، فتهتز الأرض زلازل وبراكين عذابًا وابتلاءً، وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم يستأذنه ملك الجبال أن يطبق على أهل مكة جبليها (الأخشبين) ويقف هذا الغيب منتظرًا إشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو قال"نعم"لتحركت الأرض وزلزلت زلزالها، وحينها سيقول العميان"سحاب مركوم"ويشبهه من الوقوف على السنن الظاهرة وهي حق ولا شك، دون النظر إلى بكاء مظلوم أو دعوة مستجابة أو معصية واقعة، وأما أهل البصيرة فترتجف قلوبهم خوفًا من غضب الله ويفزعون للتوبة والصلاة كما هي سنته مع الآيات الكونية كالكسوف والخسوف وشدة الرياح وغيرها.

هكذا هي الحقيقة الكونية، فحين يتحدث الناس عن الأمطار وسنن نزولها وإصابتها للخلق، هم يصيبون في تفسير جريان السنة ولكن يقفون عن بلوغ الحقيقة، وهي السؤال عن الأولوية، وحين يفسرون حركة زلازل الأرض وينسون السؤال: فمن فعل أول الأمر؟، ولا يعني السؤال عن الأولية أي أولية السنن بالتكوين الأول للخلق فقط بل أولية كل خلق، فمن نفخ الروح في الحيوان المنوي؟ ومن أنشأ كل خلية فيها روح الحياة؟، وهكذا فكل ذرة في الأرض هو خلق جديد لابد له من أولية تنشؤه من العدم تدل على يد الله تعالى ثم تجري فيه السنن التي خلقها الله تعالى.

هذه الحقيقة الكونية الباهرة العظيمة لها التطابق التام مع حب الله تعالى وبغضه، حب ينشؤه طاعة من عبيده، وبغض ينشؤه معصية من أعدائه، حب ينشئ الحب والعطاء والإحسان، ومعه الإبتلاء ليزداد القرب ويحصل الطهر والغفران، ومعصية تنشئ العداء والمقت والمَحْق، ومعها الإبتلاء ليزداد الغرور والعلو والعلو ليتحقق الإيلام والمكر.

إن أردت صلة الله فَصِلْ من أمرك بصلته، وإن أردت حبه فأحب من أمرك بحبه، إن أعطيت الفقير ستجد أنك أعطيت حسنة في يد الله تعالى (لوجدت ذلك عندي) ، وإن زرت مريضًا يتجد أنك وضعت قدمك على عتبة الرب (لوجدت ذلك عندي) ، وهكذا بصائر المؤمنين يعيشون سنن الخلق والتكوين، ويعملون بقيم الحق وشرائعه، والغيب عندهم حاضر ويرجعون كل أمر إليه (قل كلّ من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) .

(أنفقي ولا تحصي) بل مادام أن يد الله تتلقاها فسترعاه (كما يربي أحدكم فلوه) حتى تأتي الحبّة كجبل أحد، فما إحصاء العبد إلا تضييقًا عليه لا على يد الله تعالى، وهذا قانون لعمر الحق هو سعادة البشرية في الدنيا والآخرة لو فعلوه، فالخير (لا تحصيه) بل افتح وكاءه ودعه يفيض (و يسألونك ماذا ينفقون قل العفو) والعفو ما زاد عن حاجتك، وما قتل الناس وأفسدهم إلا الحرص والمنع، فبه يقتل الناس بعضهم بعضًا، ويتباغضون ويتقاطعون، وبالعطاء ومنه التضحية يتم النماء والبركة لأن الحركة هي التي تصنع الحياة، وبالركود يقع المرض والموت والكساد.

نكتة: الكلاب تلد في البطن الواحدِ الكثيرَ، والخراف لا تحمل أكثر من اثنين، ولكن أين أعداد الكلاب في الأرض من الخراف، هل تعرف السبب؟

الجواب:"الناس لا يضحون بالكلاب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت