عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) .
البناء لا تستقيم منفعته لغيره حتى يستقيم في داخله، وفي المرء طاقات إن صرفها عن الحق صُرِفت إلى الباطل، وإن أعظم ما يحقق القوة بين الأمم والجماعات هو الإتحاد والذي لا يكون إلا بالحب والإحترام، والشيطان إن يأس من أن يُعبد غير الله تعالى فإنه لا ييأس أن يقطع أواصر الحب والود بين العابدين لربهم كما في الحديث الصحيح، فما من طريق أفضل لتحقيق مراد المؤمنين أفضل من أن تتكامل قواهم الإيمانية ليكونوا يدًا واحدة على الحق، لأن الإيمان لا تظهر آثاره في هذه الدنيا إلا بالإجتماع والوحدة، فقد ينجو المؤمن يوم القيامة بإيمانه الفردي، لكن لا يتحقق للإيمان أثره في الأرض إلا بالكثرة والتي لا تكون إلا بالوحدة والإجتماع، وإن من أعظم ما يجب أن يعلم أن"التفرد"عن الجماعة هو من الكبائر، وهذا من الفقه المنسي هذه الأيام فإن النبي صلى الله عليه وسلم عد من الكبائر: (التعرب بعد الهجرة) والتعرب هو العيش على صيغة الأعراب بلا اجتماع ومدنيّة، وفي هذا الحديث أن العمران والتمدن من الإيمان وضدها من الكبائر والإثم العظيم، وعلى الدوام كانت الأطراف البعيدة عن حواضر الإسلام من البوادي والقرى النائية مصدر جهل وغفلة ثم كانت يد شر مع أعداء المسلمين ضد الإسلام وأهله، وقد ذكر أهل العلم أن من أعظم ما كان سببًا لجهل الخوارج هو تفردهم في البوادي وتركهم حواضر الإسلام واجتماعَهم، وقد رأينا في تاريخنا المعاصر أن"الأعراب"هم من أطاح بدولة الخلافة عندما صاروا جنود كفر مع الإنجليز، وهم اليوم جنود كفر مع اليهود في فلسطين، والأمثلة كثيرة جدًا، و"التعرب"هو منهج حياة، وليس نسبًا ولا عرقًا بشريًا، فما يقال اليوم من كلمة"البدو"للدلالة على أصل عرق القوم أو الرجل ليس هو"التعرب"المذموم في الحديث، وليس هو مرادنا في هذا الكلام، فـ"التعرب"هو العيش بلا اجتماع يُضبط بقانون ملزم للفرد داخل الجماعة، ولذلك قد يكون الرجل يعيش في المدينة وهو"متعرب"لا يعيش إلا لنفسه وبقانونه الخاص به دون الناس من إخوانه، ولكن لما كان العيش في جزء من الأرض يصنع هذا المنهج فصار الاسم ألصق بهم من غيرهم، ولذلك لما يحصل الاجتماع في"الأعراب"يحصل منهم للخير العظيم كما فعل عبد الله بن ياسين وهو أصل طائفة المرابطين في المغرب حين"مدّن"طوائف من"الأعراب"فكان منهم المجاهدون العلماء الذين حافظوا على الإسلام في المغرب زمنًا وعلى رأسهم يوسف بن تاشفين، وكذا مثله ما صنعه السنوسيون حين قدموا من الجزائر وأنشؤوا في الصحراء ما يقال له"الزوايا"على طريقة وتسمية الصوفية، وهي حواضر تمدن، صار فيها العلم والاجتماع والجهاد.