فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 98

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذًا إلى اليمن وقال: (يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا ولا تختلفا) .

الأمم والمجتمعات والجماعات لها أرواح، وأرواح الأفراد كأرواح الجماعات تنبسط وتنقبض، وتحزن وتفرح والروح لما تقبض بالقهر والقسوة والعنف تتعطل قواها الفاعلة لأنها تنكمش نكوصًا إلى داخلها الحزينة، وتتلبس باليأس إن طال القهر وامتد زمانه، ولا يوجد ثمة بيئة تمتج الإبداع وتقوّيه سوى بيئة التسامح والإنفتاح والحبور والأمل، فهذه بيئة العطاء، لأن النفس المبتهجة هي التي تفكر بالإبداع والإحسان، وتنطلق من هموم ذاتها إلى غيرها بالحب والعطاء، والقهر والقسوة والعنف وإن حققت بيئتهم بعض النتائج حينًا إلا أنها لا يمكن أن تدوم، فالخوف إن طال إما أن يتحول إلى مرض ووسواس قهري وإما بالمخالفة والإنقلاب حين يتم التجاوز.

المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية والجماعات الحية التي دام تأثيرها كمذاهب العلماء وحلقات الدراسة مادامت إلا بهذا القانون النبوي العظيم (بشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا) .

أما اليسر فهو في التكاليف والمهام العملية.

وأما التبشير فهو في الخطاب ومقال اللسان ومقام البيان.

وأما التطاوع فهو في مقام الآراء في تحقيق الإجتماع والأنفة.

فالراعي ييسر على رعيته في التكاليف ولا يكلفهم ما لا يطيقون، فلا يطلب منهم"كرائم أموالهم"كما جاء في الحديث الشريف، ولا يشق عليهم فيخونوه ويخدعوه، فالأب والأم والمعلم والسيِّد والأمير والسلطان كل هؤلاء لا يستقيم لأمرهم تنفيذ أو دوام إلا بأن ييسروا على رعيتهم، لأان الحياة طويلة، والتكاليف دائمة ليست ليوم ولا يومين بل للعمر كله وبهذا الحال لا يتم التواصل إلا باليسير لا العسير.

وبالتبشير يتم دفع النفس للعمل، فهو وقودها لا تقوى إلا به، ولا تتواصل إلا بهذا المدد، ومن ذلك الذي يقال له"التشجيع"، وهي تسمية معاصرة لممارسات عملية كالهدية وقولية كالمديح تدفع صاحبها للإقبال على العمل وبذل المزيد من الجهد، وهذا باب معطّل في العمل الإسلامي بسبب التربية الفاسدة في مجتمعات إسلامية معينة وبسبب غزو الدين الصوفي لكثير من عقول المربين والعلماء.

لنر ما تقوم به التجمعات الجاهلية من مديح و"تشجيع"لرجالها وأعمالهم، ولنقارن هذا ما يحصل في الصف الإسلامي، وذلك لانتشار الحسد والتنافس الجاهلي بين أهل الإسلام، وكأن تقدم واحد مضر بالآخرين، ولم يعلموا أن تقدم مسلم إنما هو للإسلام وإن ضُرَّ مسلم هو للمسلمين جميعًا، لكنها جاهلية الشر من الحسد والكبر والغرور.

بالتيسير يحصل الدوام وبالتبشير يحصل الاندفاع وكثرة العطاء، والنفوس تُظْلِم بكثرة التقريع والغلظة، وتدبر إن لم تجد من يكشف لها حسن ما تعمل كما تجد من يصوّب خطأها، وليس هذا من باب الرياء في شيء لا من قريب ولا بعيد، فإن الرياء هو أن يعمل المرء عمله لغير الله، وذلك بأن يطلب رضاهم غير ناظر إلى وجه الله والدار الآخرة، أما فرح النفوس حين ترى تقدير الناس لأعمالهم مع أن عملها ما قام إلا لوجه الله تعالى فهذا شيء منتشر بين أخلص القلوب وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكم كان يسوؤهم أن يروا الكراهة في نفوس إخوانهم لما يفعلون، ومن ترك الشر حياءً من الناس فهو مؤمن لأن الحياء من الإيمان، ومن عمل عملًا من الصالحات لإدخال البهجة على نفوس الصالحين من إخوانه فهو مؤمن لأن أصل الفعل هو الحب في الله والبغض في الله، وهذا من لم يدركه فهو جاهل صوفي أخرق.

فالتبشير وهو ذكر الحسنات والبشائر والفأل إنما هو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وهي وصية أليق بالرعاة والأئمة والقادة والعلماء وهي بحق لا تليق إلا بهم، وما كان يذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضائل أصحابه، وما يظهره من فرح لما يعملون من خير شيء كثير جدًا في سنته، ولذلك كانوا في تنافس لكسب حبه ووده وسروره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت