فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 98

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما امرأة ترضع ابنها إذ مرّ بها راكب"ذو شارة"وهي ترضعه فقالت: اللهم لا تُمِت ابني حتى يكون مثل هذا، فقال: اللهم لا تجعلني مثله ثمّ رجع في الثّدي، ومُرَّ بامرأة تجرَّرُ ويُلعب بها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقال: أما الرّاكب فإنّه كافر(جبّار من الجبابرة) ، وأمّا المرأة فإنّهم يقولون لها: تزني، وتقول: حسبي الله، ويقولون: تسرق، وتقول حسبي الله).

يقولون: لا دخان بلا نار، لأن صناعة الدخان بلا وجود أصلِه ليس من سنن الخلق، لكن صناعة الأكاذيب هيّن على الألسنة، فتشبيه الإشاعات بالدخان من كل وجه باطل، هي كالدخان تشيع وتزكم الأنوف، وهي كالدخان كذلك حين تطمس الحقائق وتخفيها لكنها تصنع من معدن الكذب والزور والأوهام، لكن الدخان لا يكون بلا نار، والعقلاء ليسوا قطيع بقر تجري عليهم نزعة القطيع، فما أسهل أن تشيع الكلمات على الألسن، وكثرة المرددين من الغوغاء لا يزيد الكذب إلا بطلانًا، والكثرة التي عمادها -زعموا- أو دليلها:"سمعت الناس يقولون فقلت"هم حطب الفتن وأثافي النيران التي تقوم عليها قدور الخبثاء، و"المغفلون النافعون"هم مطايا الشر في أمة الإسلام، يتخذهم الشيطان عونًا وهم يحسبون أنهم على خير تحت دعوى الطهر والتنقية وكشف الحقائق.

هذه الملايين من البشر يعتقدون أن عيسى هو ابن الله تعالى فهل لكل اعتقاداتهم وكتبهم وصلواتهم تأثير في تغيير الحقيقة وهو أن عيسى عليه السلام بشر يأكل ويشرب ويموت ويمرض؟ ثم هذه الملايين على مدار التاريخ، جموع وراء جميع يعتقدون أن البقرة روح مقدسة فهل زادت هذه الجموع شيئًا سوى أن البقرة حيوان لا غير؟ ولو سألت هؤلاء جميعًا ما دليلكم لكان جوابهم: الجموع، القطيع، لقد وجدنا الجموع تقول فقلنا، وهكذا يحيون ويموتون ويقاتلون على هذه الأكاذيب والإشاعات.

أمة الإسلام وجماعات الحق مستهدفة، يُكاد لها بالليل والنهار، ولأعدائها خبرة عميقة في الكيد وصناعة الفتن والأكاذيب والإشاعات، ولا يبطل كل هذا الكيد إلا بالأدلة التي أقامها الله نورًا كاشفًا للحقائق، فهذه فتنة (الإفك) الكبرى، فتنة ضربت بيت الطهر والعفاف، وتولى كبرها النفاق ورجاله، وسارت على ألسن البعض ممن استزلهم الشيطان، وأهل الدين والورع انقسموا إلى قسمين كما ورد على لسان أسامة بن زيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: فعلي قال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وأما أسامة فقال بما يعلم من براءة عائشة وبما يعلم من حب رسول الله لها، فهذه الفتنة لو نزلت بالناس بعد الوحي فما هو أقل ما يفعل الرجل بأهله، سيقال له أدنى الأمر أن تطلقها اتقاء الفتنة ومقالة السوء، وبعد ذلك ماذا سيرد كلام الناس وإشاعاتهم وأقوالهم، فحسبنا الله كم تفعل الأكاذيب، وكم تظلم الحق وأهله.

الإشاعة في ذلك الزمان ساذجة بسيطة، لكن ما نصنع اليوم وقد صارت علمًا يدرس في أقبية الخبث، وصارت فنًا متراكبًا يقدم لها ما عهد لها، ولها وسائل دخلت كل البيوت من مذياع وتلفاز و"كمبيوتر"وصحف سيارة، وتكرر كل يوم على الأسماع والعقول والقلوب حتى إن المرء ليسمعها أكثر مما يسمع اسمه أو اسم أبيه؟!

ماذا يقال اليوم عن الجهاد وأهله؟ وماذا يقال عن دعاة الحق والدين؟ وماذا سيقال عن المتمسكين بالسنة والشريعة؟ وكيف تصور المرأة المسلمة الحصان الرزان؟ أفلام تنتج، واستهزاء قبيح مؤلم، وصحف يقوم عليها مأجورون مأبونون، والغوغاء قطيع يسير وراء الناعقين إلى جهنم وتدمير الذات.

إني أتكلم في هذا الموطن وفي القلب ألم -شهد الله- لعلمي أن كل ما سأقوله من موجبات شرعية لرد الإشاعة ضعيف أمام كيد الذين قال الله عنهم: (و إن كاد كيدهم لتزول منه الجبال) فوالله إن حادثة الإفك التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على حبيبته التي يعلم براءتها كعلمه بنفسه ويقول لها: (أمّا بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه) لأمر يجعل الإشاعة شديد الوطأة عظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت