عن عروة بن البارقي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم) .
للأمم شعارات ترشح من عمق أعمالها، ترسمها عقيدة نافذة وأعمال دائمة، وكما أنه للأشخاص سمات من الخُلُق، وألقاب وكنى فكذلك للأمم، شعارات ترسمها المشاريع الدائمة التي تستغرق الحياة، وهذه الأمة لها مشروع حياة يمتد معها عملًا إذا امتدت بها الأنفاس بقاءً، هذا المشروه هو"الجهاد"، مشروع يحقق لها الدوام والقوامة ويحقق لها الآخرة والشهادة على الخلق فيها.
لقد جعل الله في بعض ما خلق ميزات لها الخصوصية، كما جعل في الذهب والفضة خصوصية النقد والعيارية، فمهما غلت قيمة بعض المعادن وزاد ثمنها يبقى هذان النقدان لهما المعيارية دون غيرهما، وهذا الحديث يبين خصوصية هذا المخلوق الحبيب إلى نفوس هذه الأمة، إنه الخيل، لأنه عنوان الجهاد والغزو، وصار هذا المخلوق كذلك عنوانًا لقيم إنسانية استحقت لقب"الفروسية"، هذه القيم تعبر عن قيم الفطرة السليمة من كرم وشجاعة وعلماؤنا إن تحدثوا كثيرًا عن اثر الألبسة والأطعمة على نفوس أهلها فإن الأمر يحتاج كذلك إلى حديث عن أثر عشرة الإنسان لهذا المخلوق الحبيب، مع علمي أن بعضهم سيقابل هذا الكلام ببسمة إستهزاء واستهجان لكنها على كل حال خير من عشرة ابنائنا للكلاب والفئران وأمثالها مما يبدأ يغزو أمتنا تأثرًا من سنن أتباع الشيطان.
هذا الحديث الجليل يبين مشروع الأمة الدائم، ذلك المشروع الذي يجمع لها خيري الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا ففي المغنم، ذلك لأن المال قوام الحياة كما قال تعالى: (و لا تؤتوا السّفهاء أموالكم الّتي جعل الله لكم قيامًا) فسمى المال قوامًا للإنسان، وأما خير الآخرة ففي الأجر الذي تتحصله الأمة في هذا العمل، ولعله من الأمور البارزة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم قط أنه دعا إلى تملك شيء من أشياء الدنيا، فلم يرغب باقتناء الذهب ولا الفضة ولا الدور ولا الضِياع ولكنه هنا حض على اقتناء هذا الخير من دنيا الناس وجاء في الحديث الحض على حبس هذا الملك والإعتناء فيه فقال صلى الله عليه وسلم: (من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإنّ شَبَعَهُ ورَيَّهُ وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة) ولذلك لأثر هذا المخلوق على حياة صاحبه وحياة الأمة التي ترعاه وتعتني به، ولست متبعدًا إلى ما يحمل الحديث من معاني تتعدى إلى ما عرفه الناس من صناعات تقوم من مقام الخيل، أن من دلالات الحديث على أن الجهاد ماض فيجب إعداد عتاده ولوازمه قبل أن أنبه إلى"الخيل"هي عينها فيها فوائد عظيمة للأمة التي تعتني بها وترعاها، ولقد رأى الناس ممن خبروا الدول التي تقدمت في الصناعات وخاصة العسكرية أن عنايتهم بالخيل ما زالت قائمة، ولم يزيلوها كما تفعل الأمم الجاهلة، هذا مع علمي أن مثل هذه الأمور لا تقوم إلا بعناية الأمة بمجموعها بهذا الأمر، فإن لم يكن كذلك لم يقو على هذا الحديث إلا أصحاب اليسار لما تحتاجه الخيول من رعاية مكلفة لا يطيقها أكثر الناس.