فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 98

إنها البصيرة لما عليه يد الله تعالى في الخفاء من السنة والتدبير، بصيرة تضحك سعيد بن جبير في موطن الألم حين يقول للحجاج -لعنه الله-: إني لأعجب من جرأتك على الله وصبر الله عليك. وبصيرة تبكي في موطن الفرح كما أبكت عمر الفاروق رضي الله عنه حين هطول الغنائم. إنها بصيرة النفاذ إلى العواقب، تلك البصيرة التي تحقق الرسوخ على المبادئ والخوف من العواقب (فإنّه لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون) .

وهذا الحديث الذي بين يدينا أن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تسبق، فجاء أعرابي على بعير له فسبقها فشق ذلك على الصحابة أن تُسْبق ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فحين ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم هذه السنَة الربانية النافذة في الخلق قدرًا لا إنفكاك لهم عنه، وهذا دليل على أن هذه السنة ليست في البشر أفرادًا وتجمعات فقط بل هي في الخلق عمومًا، فما من قوة إلا وستخضع لما هو أقوى منها، وما من جميل إلا وسيتضاءل أمام جمال أرفع منه، وما من ثمين إلا وسيكون مقومًا لما هو أغلى منه، وهكذا تمضي هذه السنة في اتجاه التحذير بعدم الغرور بما أنت عليه فتطمئن أن لا نهاية لها، ولها اتجاه آخر أن القمم لا تتناهى فلا ثبات، بل لابدّ من البحث دائمًا عن قمة أخرى حتى يصل المرء إلى اليقين وإلى جنة الرحمن، فليحذر المرء من اليأس والقنوط كما يحذر من الغرور وكلاهما تفحم لمرض واحد لكن باتجاهين مختلفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت