فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 98

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) .

هذا دين حق وخير، من أين أتيته وجدته هدى ونورًا، وما أفسد الأمة إلا الأهواء وآراء الباطل التي تحملتها من غير سبيل القرآن والسنة، فهذا الحديث هو باب حقيقة الفاعلية التي يسعى إليها العقلاء لأمتهم فإن فساد الأمم وشعوبها في إلقاء التكاليف والكسل والعجز، والإنكفاء على الذات، وأن حياة الأمم والشعوب في فهم وتحمل المسؤولية، بحيث يرى كل واحد أنه المعنيُّ بالخطاب وأن الأمر له دون بقية أهله، محتقب بالإثم إن فرط فيه أو قصّر عنه، وما حقق الأولون من أعمال عظيمة كانت لها الفرادة في تاريخ البشرية، والصدارة في إنجازات الأمم إلا لهذه العقائد والمفاهيم، وحين دخل النسك العجمي والتعبد الجاهلي على أمتنا وانسحب الناس عن مسؤولياتهم عاد الجَمْرُ حطبًا باردًا ورفاتًا هينًا، وحين يحس المرء بأهميته لأمته وأهميةِ أمته له تكتمل دورة الحياة وتحصل المنجزات، أما حين تموت هذه الصلة بين الفرد والأمة، فلا يرى لنفسه شأنًا معها ولها، ولا يرى لأمته قيمة فحينها يكون الموت الحقيقي لكل المشاريع التي هي حقيقة حياة الأمم ومقاصدها.

المسؤولية، والفعالية، وصيغة العلاقة بين الأمة وحقيقة الروابط، وتوزيع التكاليف، ومصدر الحق وطبيعته، هذه أسئلة أعيت الأمم وأتعبت عقلاءهم، وسُكب من أجلها آلاف المحابر، وتناطح فيها دعاة الإصلاح، لأنها إن أدركت وخضع الناس لها بتراضٍ ورغبة باطنية تحقق المراد من الفرد باعتباره مستقل الإرادة محترم الاعتبار، وتحقق المراد من الإجتماع بتسمية المجموع أمة تتحقق لها أهدافها ويحصل لها مقصودها، بلا تعارض بين الفرد والأمة، وبلا تفريط في الحقوق، وبلا ضياعٍ للأهداف.

هذا الحديث لوحده كافٍ للإجابة على هذه الأسئلة الأرضية الحائرة، وبكلمات نبوية صادقة حَمَّل الكلَّ التكليف، وأخضع الجميع للواجب، وفرض على الكل الطاعة، وفسَّر مصدر الحق ومنبع قوته.

إن الحياة لا تستقيم إلا بتنظيم، وهذا التنظيم في ظاهرة يوزع الأمة إلى دوائر، وللوهلة الأولى يحصل الوهم أن هذه الدوائر والمؤسسات هو تفرق وتنازع، كما يحصل الوهم أن هذا التوزع يلغي العلاقة بين أفراد هذه المؤسسسات وبين الآخرين من هذه الأمة، فحين يكلف الشرع الحاكم القيام بالجهاد مثلا فيُظنَّ أن الجهاد هو تكليف لمؤسسة ولدائرة من الأمة هو الدولة وبقية الأمة غير معنية به، ومثل ذلك الحدود، أو حين تنشأ مؤسسة ودائرة للعلماء فينشأ الوهم أن العلم مسؤولية لهذه المؤسسة دون سواها، وبقية الأمة غير مكلفة بهذا الواجب وهذه هي البدعة الكبرى التي تصيب الأمم وتدمرها، وإذا كان للعابدين بدع تفسد عبادتهم، وإذا كان للعلماء بدع تفسد عملهم فإن للأمم بدع تفسد فاعليتها وأهدافها كلها تدور حول المسؤولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت