وفي الحديث من الفوائد: أن مقامات الآخرة والفضل الإلهي ليس بحسب مقامات الناس بينهم في المناصب والأموال، بل إن المترفين هم أكثر الناس صدودًا عن الذكر كما قال تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا بما أرسلتم به كافرون، وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين، وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما صبروا وهم في الغرفات آمنون) وفي القرآن ربط دائم بين العلو والفساد كما قال عن بني إسرائيل: (لتفسدن في الأرض ولتعلنّ علوًا كبيرا) وكما قال عن فرعون: (وإن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا) وقد وعد الله وراثة الأرض للذين (لا يريدون علواًّ في الأرض ولا فسادا) والجهاد والبلاء لا يستقيم إلا لأهل الصبر والإحتساب، وقد كشف الله المنافقين بالجهاد كما في سورة التوبة، تلك السورة التي سميت بالفاضحة لأنها فضحت المنافقين، وغالب ما فيها من صفات فاضحة لهم إنما كشفت بالجهاد فهم الذين: (لو كان عرضًا قريبًا أو سفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) وهم (و لوا أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) وهم (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي) وهم الذين (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر) وهم (و إذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) ... وغيرها، وهذا يدل على قوة هذا الضابط في التفريق بين الصادق والمرائي، بين المؤمن والمنافق وفي الحديث: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق) وهو تفسير لهذه الآيات ولا شك.
قوله صلى الله عليه وسلم: (تعس وانتكس) هو شأن من عمل لغير الله لا يدوم أمره ولا يصبر، بل ينقلب حيث لم يصب مراده من الدنيا، وهو وإن كان دعاءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، فهو كونه وقدره، صفة لازمة لمن لا يريد وجه الله تعالى كما قال تعالى: (ومنهم من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين) ، وقوله: (وإذا شيك فلا انتقش) فهو دعاء عليه أن لا يصيب مراده بانتكاسته، فإن هذا يرتد وينقلب على عقبه رجاء جبر دنياه الذاهبة بسبب البلاء، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو عليه أن لايلتئم له شأنه ولا يعود له ما رجاه حتى لو كان مجرد زوال شوكة عنه. أما قوله (تعس) فهو دعاء وحقيقة كونية، فإن من تشتت همّه إلى مطالب عدة تنقلت به أمواله وأتعبته سبلها، كلما أراد شيئًا وجده سرابًا لا غناء فيه ولا كفاية، ومن جعل الله قصده وغايته ونيته فهو كافيه لأنه نعم الوكيل (أليس الله بكاف عبده) .
وفي الحديث فائدة جليلة أن العبادة ليست في أعمال النسك فقط كالصلاة والسجود والدعاء بل هي أشمل من ذلك وأعم، وهذا ما لا يعرفه إلا أهل الإسلام من معنى العبادة، بل لا يعرفه إلا العالمون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحمد لله على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته هذا الفضل والكرم.