عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: (أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق النّاس) .
لا يَسَعُ الناس إلا السَّعة، إذ أرواح الخلق ضيقة تذهب بقليل المعاناة، والتفريق بين الجماعة المجاهدة والتكاليف التي تحَمِّلْها لنفسها استعدادًا منها لا تحمّل للمجتمع الذي تعيش في وسطه، فإن فعلت لابد أن ينقلب عليها المجتمع لا محالة، والله هو رب الخلق وله حق العبودية على هذه المجتمعات قال في كتابه: (إنّما الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن تؤمنوا وتتّقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) ولذلك لم يطلب الله شيئًا من عبيده إلا العفو، وهو ما زاد عن حاجتهم، سواءً كان من أموالهم أو أوقاتهم أو قواهم، ولا يمكن لجماعة مهما كانت على الحق في نفسها أن تحقق النصر في مجتمع من المجتمعات إلا إن كسبت قلب وروح هذا المجتمع، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بأن يتيقن هذا المجتمع أن هذه الجماعة لا تصادم حياة الناس وكسبهم ودنياهم، فإنهم إن رأوا أن سبيل هذه الجماعة هو سبيل الخراب والفقر والخوف انفضوا عنها ولا شك، ولذلك كان من حجج قريش في عدم اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) والله أكذَبَهم في هذه الدعوى وقال: (أولم نمكّن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنّا) كما في سورة القصص، ولم يصدقهم فيها فدلّ على أن الدين هو الذي يحقق للناس سعادة دنياهم ولا يدمرها كما قال تعالى: (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) .
هذه الحقيقة تخالف ما يطرحه البعض من تقديم دين الله تعالى على صورة توافق أهواء الناس وشهواتهم، إذ دين الله لا يقدم للناس إلا مع حقيقة الإيمان بالغيب وتحمل الأوامر الشرعية على حقيقتها حتى لو خالفت ما عليه والناس من رغبة في الشهوات والأهواء، ولكن لا يقدم دين الله للناس وهم يرون أصحابه يتوعدونهم بالذبح ويضيقون عليهم سبل الحياة، وكأن المجتمع لا يكفيه ما يفعله بهم طواغيت الأرض من استبعاد وإفساد وجعل المال (دولة بين الأغنياء منهم) حتى يأتيهم آخرون يريدون أن يقضوا على البقية الباقية عندهم وفيهم، وهذا الأمر يستدعي بيان مسألة مهمة وهو أن الجهاد لا يكون إلا ضد الملأ والطواغيت فهم الذين يوجه لهم سلاح القتل والقتال، وأما المستضعفون فلهم الحسبة، وهذا العمل الجليل (الحسبة) لا ينبغي أن تقوم به هذه الجماعات أصالة إلا بما يحقق رفع الظلم الذي تفعله الطواغيت ضد المستضعفين، وأما انشغال جماعات الجهاد الصلاة بعمل الحسبة فإن الحاكم العادل سيبغضه نصف شعبه إن عدل فكيف لو لم يكن حاكما بل كان متطوعًا، مع ما في عمل الحسبة من أمور هي أشبه بعمل القاضي وأحكامه وهذا قلما يتحقق من غير تمكن.
(إيّاك وكرائم أموال النّاس) هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرائه ذلك لأن الرحلة طويلة والتضييق إن طال انقلب إلى سخط وغَضَب وبغضاء، بل الأمر ضربة وضربة، فواحدة تضحكهم وتفرحهم، وأخرى مما يتحملون يرون فيها أثر الجد والنشاط ليفزعوا لأخرى إن دعوناهم إليها مرة ثانية، وخير الأعمال أدومها وإن قل، وأما الذين يشقون على الناس فسيشق الله عليهم، وكفى بمشقة الله عليهم أن يعاديهم أهلهم وأمتهم.
الحياة الدعوية والجهادية ليست قصة هرمية تسير إلى نهاية مغلقة، بل هي بناء متوازن في أبعاده لأنه لا ينتهي إلى عقدة حاسمة، ولو كان الأمر كذلك لصح أن نرمي ثقلنا وثقل الناس في هذه العقدة الحاسمة لنرتاح بعدها، لكن الأمر ليس كذلك، بل هي عقد متتالية، وحلقة وراء حلقة، ولذلك فإن النبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى كما في الأثر، وأصحاب الأرواح السريعة يذهبون بسرعة، يأتون يرددون الكثير ويملؤون الوديان صراخًا ثم ينفضون سراعًا كذلك.
الرحمة على الخلق وتكليفهم ما يستطيعون وفتح أبواب الراحة والنزهة لهم تحبب فيك الخلق وتحبب فيك الخالق فإن الراحمون يرحمهم الرحمن، والأمر مع الجماعة هو أمر الرحمة والسعة نمشي مشي أضعفهم كما هو شأن المرء مع الصلاة، فإنه يخفف ما يستطيع في الجماعة وأما إن فرغ إلى خاصة نفسه وصلاته فليطل كما يحب، ثم ليت الناس في زماننا يقومون فقط بعُشر ما كان عليه الناس قديمًا، إذًا لنجوا.