عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سدّدوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيئًا من الدّلْجة، والقصد القصد تبلغوا) .
في الدوام مع القلة النجاح محقق، والحمل الكبير لا تعجز عنه قرية النمل، والجدُّ بنى سلاسل عظيمة من حجارة صغيرة لأرضه، يجمعها بجد يوميًا من بعد صلاة الفجر وفي نفس طويل وأما الحفيد فعجز أن يبني بيت دجاج لأنه ينتظر أن يجمع مليون دينار ليبني قصرًا عاليًا في لحظة واحدة.
على أرجل ملفوفة بقماش مخرق مرقع، ودواب هزيلة، وصلوا إلى الصّين، وبسرج ليلية تعبة وأقلام لا يكاد يكمل الكلمة حتى يغمس في حبره، وعلى ورق مرة من جريد النخل وأخرى على حيوان كانت كنوز العلم تسير في حمائل الأطفال والعرائس، كل ذلك صنع على قاعدة: (القصد القصد تبلغوا) ، وفي زمن"الكمبيوتر"والطائرات النفّاثة والسيارات السريعة ما زال الناس يرتكسون في مقاعدهم لأنهم يجلسون ينتظرون"اللحظة المناسبة"التي يتمنونها من"الفراغ"و"القوة"ليتحقق لهم كل شيء، فكانت النتيجة: لا شيء.
لعلك لا تملك قدرة توصلك وعلمًا كافيًا، لكن يكفيك: (سدّدوا وقاربوا) إذ الكمال وهمٌ في العقول لا وجود له في الأعيان، والذين ينتظرون الكمال إنما يقتاتون الوهم.
يقولون غدًا، ففي غد يكون الفراغ الواسع الذي يمكن به أن تبدأ الرحلة، لأن اليوم ضيّق، وينسون أن غدًا ليس فيه لحظة زائدة عما عليه اليوم، ولذلك إن كنت مشغولًا في الصباح فجدّ في المساء، (اغدوا وروحوا) إذ يكفيك ما عندك الآن مع قلته.
نم حتى يتعبك جنبك، واضطجع في ليلك ما استطعت وأحببت، لكنّك ستجد في نهاية الليل لحظة قبل الفجر تعطيها لعمل تبنيه فتجده أمامك كبيرا بعد ذلك.
كل شيء يمكن المساومة عليه، إن لم يعجبك العمل صباحا فاعمله مساءًا، وإن لم تستطع اليقين فيكفيك غلبة الظن، لكن إياك والتفريط في الدوام، بل (القصد القصد) فهذا إن فرطت فيه لم تبلغ ولن تبلغ مهما ملكت من القدرات. الدين عميق، وكذا الكون، والرحلة طويلة لأنه لا نهاية لها إلا بالموت فالعلاج الوحيد لهذه المعضلة هو أن تحمل الخفيف وتداوم المسير.
هذه قاعدة الإنجاز، وقاعدة النجاح، بل هي اكسير الثبات والوجود، وحين يتبارز الناس يكون للدؤوب الكلمة الفصل.
(شيئًا من الدلُجة) إذ النفس حال إقبالها، والجسم في لحظة نشاطه، والأرزاق لم توزع، ولم ترحل الطيور بعدُ بأرزاقها وحينها يكون القطاف من رأس الثمر، وهو أغلاه وأجمله وأغناه، ولذلك يكون"الشيء"مع قلتها أفضل من حمل بعير من"البقايا"والمخلفات، لأن روحها ذابلة وعطاءها ضعيف.
لا فرق بين الغدو والرواح لكن لا بد من"شيء من الدلجة"حينها تكون"بيعتان في بيعة"وللقط ثمن غالِ للحقوق بالبعير إذ هو المقصود.
في العمل: سدّد وقارب.
في الوقت: غدو ورواح وشيء من الدلجة.
في الإدارة: القصد القصد.
حينها يقينًا ستصل بإذن الله تعالى.
رحلة العاملين مع العلم والجهاد ليست مرحلة تقطع ثم نحط الرحال بل هي رحلة وراء رحلة، في العمل ومع المحبرة إلى المقبرة، وفي الجهاد (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ، ورحلة العابدين (حتى يأتيك اليقين) فما أطولها من رحلة لابدّ من قطعها، وما أرحم قائدها وراعيها: إنه محمد بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
بناء الجماعات غير بناء الأفراد، فالأفراد يبنون على قاعدة (كن في الدنيا كأنك غريب) فهو يعيش مقتنصًا اللحظة كالطير يمر على الماء فيأخذ حسوات ويسير، لكن مع الجماعات تبنى الكتائب كما تبنى الكتب، تبنى لتدوم، وترصّ بمتانة الثبات والدوام، وإلا فهي نسمة ذاهبة لا تقوى على مهمات الحياة وتكاليف الدين مع الأمم الأخرى، فالإتقان أساس ذلك، والتأمل العميق - (سدّدوا وقاربوا) - فهو بذل المستطاع مع العلم، وليس رميًا في الهواء ولا من وراء الغيب، بل بقياس الدقة التي هي أقصى قدراتك، وإلا فما تبنيه مجرد ركام حجارة لا تكن مغرورًا، فالعلم يسبق العمل"سدّد وقارب ثم اغد ورح"، وأما الغادي والرائح في كل اتجاه لا يدري أين مذهبه ولا مقصده فهو راجع بخفّي حنين ولا شك.
حدّد وجهتك، اجمع الأدوات، ثم ابدأ المسيرة، وكلما كلَّت رواحلك أرِحها قليلًا مع عين تَرصُد، وروح تتطلع إلى هناك: حيث (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ، فهناك تستريح.