عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) .
الأمة تراعي أبناءها كأبناء الأم الحنون ترعاهم أمهم بحسب حاجتهم وكما قال الأعرابي وقد سئل: من أحب أبنائك إليك؟ فقال:"الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والفائب حتى يعود"، فالرعاية والحب والعطف لا يكون بحسب الفضْل والقوة بل قاعدته الصحيحة بحسب الحاجة والضعف، وقانون الحب هذا هو قانون دوام الحياة وسرها الباطن، فالقوي حاله حال ضالة الإبل: (مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر) كما قال حبيبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالقوي يوكل إلى قوته، لكن العبرة والإحسان إنما يكون للمحتاج الضعيف، يراعى بحسب حاجته، وقد نشأت مجتمعات وتجمعات بشرية لا تقيم إلا لنوع واحد من القوة الأهمية والاعتبار، وتنبذ ما عداهم ممن لا يملكون هذه القوة وهذه التجمعات وإن بدت سليمة في بداية الأمر إلا أن عوامل الضعف سرعان ما تسارع إليها، لأن الحياة لا تقوم على نوع واحد مهما كان هذا قويًا، فالإستقلال مهلكة كالاقتصار على نوع واحد من الطعام، فإنه مهما كان هذا الطعام مغذيًا مليئًا بالفوائد إلا أن الاقتصار عليه يوهي البدن ويضعف صاحبه ويورده الموت والهلكة، فالحياة لا تستقيم بعلم بلا قوة، ولا بقوة دون رحمة، ولا برحمة دون مسؤولية، ولا بمسؤولية دون مشورة، وهكذا سبيل الحياة، وعالم الغيب ليس غائبًا في تأثيره عن الحياة الدنيا وإن كان غائبًا بصورته عن الأعين فيها، فحركة الغيب المرتبطة بالإخبات والدعاء والطاعة والمعصية لها حقائق واقعية على الارض ومن يعيش عليها من إنس وجن وحيوان ونبات، فالذين ينظرون إلى الحياة الدنيا وحساباتها فقط من ماديات ومحسوسات سيصيطرون بالسنن الإلهية المتعلقة بحبّ الله وبغضه ولذلك جعل الله من انتقامه لأعدائه أن يأخذهم"بغتة"، أي دون وجود مقدمات تنذرهم للتغيير والتحضير لها والدارسون للسّنن الإجتماعية خاصة يعلنون كثيرًا أن علوم الإجتماع في دراسة الظواهر ليست مطلقة إذ كثيرًا ما تحصل هبات مفاخئة تصدم الدارسين والمراقبين، وهو تحقيق لهذا التحذير الإلهي بالبغتة، وأما الظواهر الكونية من الزلازل والبراكين والأعاصير فأمرها في هذا الباب أشهر من غيرها، وهي بحق ينطبق عليها لمن أراد البصيرة قوله صلى الله عليه وسلم عن العدوى: (فمن أعدى الأول) ، والقصد أن عالم الباطن وعالم الغيب حضورهما بالتأثير في عالم الشهادة بيّن وواضح لأولي الألباب، وكذلك المجتمعات لا تشعر بحاجتها للرحمة والعطف، وتعلم أن الضعيف لازم من لوازم الحياة كما القوي، وهذا أمر لا نختاره بل هو سنة الحياة التي نتعامل معها من خلال قانونها ووجوده.