في حركة الأمة والطوائف للجهاد، وهي حركة أصيلة ثابتة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بل لاحياة لأمة من الأمم إلا بها لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا) ، قد ينشأ وهم أن هذا المجتمع معسكر لا لزوم فيه إلا للأقوياء والأصحاء والشجعان فبالتالي غيرهم عالة عليهم، وفي مدينة اسبارطة القديمة وصل غرور القوة وعسكرة المجتمع أنهم كانوا إذا وُلِد ولدٌ ضعيف أو فيه مرض أو تشوّه ذهبوا به إلى جبل عال ورموه من فوقه تخلصًا منه لجاهليتهم أنه لا حاجة لحياتهم له، فهذا الحديث النبوي تنبيه لتأثير عالم الغيب على عالم الشهادة، فالضعفاء هم محط نظر الله تعالى، لأنهم أحوج من غيرهم لهذا النظر، فحيث كان البلاء كانت الرحمة، إذ أن عدل الله ورحمته يمنعان العسر بلا يسر، والضعف بلا رعاية، والحاجة بلا عناية، وهذا العدل الإلهي هو الذي يحبه الله لعبيده أن يتصفوا به، وهذه الرحمة التي إن وجدت في القلوب كانت سببًا لرحمة الله تعالى، وهؤلاء الضعفاء تنكسر قلوبهم بصدق عند الطلب فهم يسألون من حاجة، وفرق بين سؤال الممتلئ وسؤال الفقير، والله يحب هذا من عبيده لأن العزة هي إزارُه والكبرياء رداؤه، والله لا يحب كل جبار متكبر، ولذلك كثر في الجنة الضعفاء وهم دومًا أتباع الأنبياء كما قال هرقل في حواره مع أبي سفيان، ومن السنن الحميدة أن يُخرج إلى الدعاء بالبذاذة ومع الضعفاء والمحتاجين، وقد ذكر الله في كتابه أن من مساوئ ترك الجهاد هو حصول النقمة والغضب من الضعفاء على أهل القوة لتقصيرهم وقال تعالى في سورة النساء: (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنّساء والولدان الّذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظّالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليّاُ واجعل لنا من لدك نصيرًا) فغضب هؤلاء هو سبب غضب الله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وقد حذره من إغضاب أمثال هؤلاء فقال: (إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت الله) .
وهذا الحديث وإن كان فيه فضل الضعفاء على الأقوياء، إذ لا يرزق الأقوياء ولا ينصرون إلا بالضعفاء، فإن هذا لا يعني أن الضعيف مقدم في إيمانه على القوي، لأن اجتماع القوة مع الإيمان خير من استقلال الإيمان لوحده بلا قوة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّّ خير) لأن مقاصد الإسلام في الفرد والجماعة لا تقوم إلا بالقوة، وكون الشيء محتاج إلى غيره لا يعني أن غيره خير منه، فالإنسان محتاج إلى الطعام والخادم وغيرها وليس هما بأفضل منه كما هو معلوم، ولذلك من الواجب السعي للقوة، فقد قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا) فالمال قوام الحياة ولا يجوز إفساده بإعطائه لغير رُعَاتِه وحَفَظَتِهِ، وقال تعالى: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة) ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية لأصحابه لما دخلوا مكة وهي في يد المشركين من قريش: (رحم الله امرءًا أراهم منّا قوة) ، وإنما يكون الفضل للضعيف لعدم قدرته على تحصيل القوة وأما المقصِّر فهو آثم تارك لواجب.