بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه محمد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغر الميامين، أما بعد:
في أيام ربانية عشتها بفضله ورحمته، ومنذ اللحظة الأولى فيها وأنا خائف أن تهرب مني، فكنت أجاهد نفسي وأنا أحاول أن ألتقط وأجمع وأنظر وأراجع، منذ تلك اللحظة التي أغلق فيها السجان باب الغرفة الصغيرة الثقيلَ عليّ وحيدًا وأنا في هم رجح على كل الهموم: كيف أقتنص لحظات هذا الزمن؟ إذ همّي ألا يسير الزمن مسرعًا، فالربح كثير وفير، وكان من نعم الله تعالى على هذا (الإنسان) أن حبّب إليه صحيح الإمام البخاري، حبًا صنعه علم المحققين والدارسين أنه أعظم كتاب في الأرض بعد كتاب ربنا سبحانه، وحبًا تكامل تباعًا مع كثرة الرد والمراجعة، ومع وجود غيره من الكتب الستة بين يدي إلا أنني طوال عامين وزيادة لم أستطع قط ولم أنجح في أي محاولة أن أتحول إلى غيره من كتب السنة، أذهب إليه مرة من أجل حكم شرعي، ومرات من أجل إلتقاط الحِكَم والعظات، وفي أكثر المرات يكون الذهاب من أجل أن أقرأ قصة (الإنسان) ، نعم فإني أعترف أن أكثر ذهابي لهذا الكتاب في تلك الفترة من أجل قراءة الرواية الحقيقية للبشرية، وللحقيقة أن أكثر ما يبهرني ويبهجني في كتاب الله تعالى، أني مذكور فيه (لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون) ، فأنا أعيش اليوم في زمن الصور والخيالات، فالبهارج تعترض طريقي في كل مرحلة وزاوية، والأصباغ منثورة بمكر حرفي على كل الصور، والمعروض كله خادع، ولكل صورة سيرة كتبها دهاقنتها وعبّادها ورجالها، هذا صراع زمانِي الذي أدعي أنه خِدَاع لم يكن بهذه القدرة على مر التاريخ، كتاب الله يسميها فتنًا، لكن قضيتي قضية الوعي الحقيقي لهذا العقل المتنازع عليه، وقضية الدين الذي قد سُرِق وتنازعه اللصوص وقاطِعو الطريق.
قراءة (الإنسان) وروايته وتاريخه وحقيقته في كتاب الله والسنة النبوية هي التي تحقق العبرة، أو أزعم أنها حققت العبرة لي، فقد عانيت مشكلة القراءة الغيبية للكتاب والسنة، وحين أردت إنزال هذه الحوادث على الأرض اكتشفت حقيقتها وأنها سننية فيها أشخاص أرضيون وبشر حقيقيون، فهل جرّبتَ أخي مرة وأنت تتهيأ لفتح صحيح البخاري أن ترتب عقلك ووعيك أنك ستقرأ كتاب حكمة، أو أن تقرأ رواية أو سيرة، أو أن تقلبه كما تقلب ديوان شعر تبحث فيه عن جمال التصوير وروعة البيان؟! إن فعلت ذلك ستعرف ما أعني وهو أن صحيح البخاري -مثلًا- هو كتاب (الإنسان) ؛ (الإنسان) بسيرته الأرضية، وسننها الواقعية، حينها سترى نفسَك وأشواقك وحبك وبغضك وقوتك وضعفك وفرحك وألمك ونجاحك وإخفاقك، وحينها ستَعبُر بكل قيم الحق إليك فتحقق العبرة والعظة.
أصدقك أخي -شهد الله- أني كنت ألغي من عقلي ونفسي حين أفتح صحيح البخاري أني سأقرأ كلام نبي يعلم ويحكم ويعظ، أو أني سأقرأ سيرة نبي يوحى إليه، بل كنت أهيّئ نفسي كثيرًا لأعرف هذا الإنسان وعقله وقلبه، فأنا أريد أن أكتشف من هو من كلامه، لأن البيان هو إبانة اللسان عن الإنسان، فأنا أريد أن أعرف من هو، ومع كل قول وكل حدث كنت أرتعش ارتعاشة الإعجاب والتقدير والتعظيم، وأردد: ياله من قائد إمام، فالسعيد من سار وراءه وضل من عصاه.