فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 98

من حقي أن أقول هنا -لا لأمدح نفسًا يكون المدح سببًا لذمها، ولكن لن أذمها لأستبطن المدح مكرًا- أقول: لقد قرأت شعرًا كثيرا، من قديمه وحديثه، وقرأت كلامًا كثيرًا، وقرأت سيرًا كثيرة، وقرأت كتبًا كثيرة، حتى صارت القراءة صفتي، وكانت رحلة القراءة ابتداء من أجل المتعة، فقد جبلت على حب هذه المتعة، ثم تحوّلت القراءة إلى محاولة معرفة الإنسان الذي أقرأه لأعرف في النهاية من أكون وقبل ذلك من يكون، وقد كنت أرى حجبًا كثيرة غطت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكتب أسلافنا، ليس حجاب جهلنا فقط، لكن تلك الحجب النفسية الكثيفة، ذلك أننا لا نقرأ هذه الكتب بحثًا عن أنفسنا، أي بحثًا عن (الإنسان) ، بل نقرؤها وكأنها لواقع غير الواقع الأرضي الذي نعيش فيه، لقد رأيت الكثير في زماني مما قرأته هناك؛ في الكتاب والسنة، رأيت أحداثًا ورجالًا لا تختلف قط إلا في الأسماء، وكنت أعجب لمن عظّم هذين المصدرين كيف لا يمدح من مدحه الكتاب ولا يذم من ذمه الكتاب، مع أنه لا فرق بينهما، وراعتني هذه المفارقة المؤلمة كثيرًا، والحقيقة أن السبب -وأقول ذلك مطمئنًا- أن الأسماء هي الحواجز، وأن (العناوين) قد ألهت الناس عن الحقائق، فقلت: لأقرأنّ بلا حواجز ولا عناوين، سأقرأ (الإنسان) بواقعه وسننه الأرضية في الكتاب والسنة لعلّي أبلغ إلى قراءات الأوائل التي صنعت الهداية، فهم جاؤوا إليها ليسمعوا ما يقول ويعرفوه من قوله هو، فانتهت قراءتهم إلى أعظم إيمان وأجل تسبيح: (ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار) . وكانت معضلة أخرى هي معضلة العبرة والعظة، فأهل الإسلام كلهم يرددون: أن لا سعادة إلا بالعودة إلى الكتاب والسنة، أي أنهما مصدر صلاح (الإنسان) وسيرته ووجوده في زماننا هذا، فكيف يتم العبور إذا كان (الإنسان) في زماننا ليس هو (الإنسان) المذكور في كتاب ربنا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟!، وأما معضلتي الكبرى فهي اكتشاف خداع الزخارف والصور الزائفة الملونة بكل الأصباغ، فهل ستسقط هذه العناوين في زمن صار دور الكتاب والسنة عناوين فقط لكل المتعارضات، وشعارات تُتّخذ على وقائع مدعاة؟! نحن في زمن لم يبقى لنا من كل هذا الإرث الإلهي إلا (البيان) وجئنا إليه من غير رجاله وهو معلق في الصحف فقط، بيانًا مجردًا، ويا لفتنة عصرنا هذا، حتى البيان صار غريبًا علينا فنحن معه مجرد عجم. في هذا (البيان) بقيت الرواية، القصص، الأحداث، بقيت الصور الحقيقية لسيرة (الإنسان) ، صورة الإنسان وسيرته حين يهتدي: ماذا يفعل وماذا يقول وماذا يحس وماذا يشعر، وسيرة الإنسَان حين يضل: ماذا يفعل وماذا يقول وكيف يحكم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت